غاب الشاعر عن القاهرة ثلث قرن.. وعاد إليها ذات مساء |
أهذي أنتِ؟.. أم هذا خيالي
|
جلاكِ... وبيننا بحرُ الليالي؟
|
أقاهرتي! تُرى أذكرتِ وجهي
|
فتاكِ أنا المعذّب بالجمالِ؟
|
سلي عني المليحاتِ اللواتي
|
نظمتُ لهنّ ديوان اللآلي
|
سلي عني أباكِ النيلَ يشهدْ
|
بصدقي في الصدود.. وفي الوصال
|
سلي الأهرامَ عن حُبّ عصوفٍ
|
خبأت دموعه بين الرمالِ
|
سلي عني من السنوات خمساً
|
فِداها العُمر! عاطرة الخصالِ
|
أعود إليكِ.. والأيام صرعى
|
تمزّقها السنين.. ولا تبالي
|
فوا أسفاه! عاد فتاكِ شيخاً
|
يفرُّ من الوجومِ إلى الملالِ
|
أنوء إذا وقفت بحمل ثوبي
|
وأعثر حين أمشي بالظلالِ
|
أأعجب حينما تنسين وجهي؟
|
نسيتُ أنا ملامحه الخوالي!
|
مررتُ على الديار.. فضعتُ فيها
|
غريباً حائراً بين الرجال
|
فلا الشبّاكُ تومضُ فيه سلوى
|
ولا هند تطلُّ من الأعالي
|
ولا المقهى يهشّ إذا رآني
|
ولا من فيه يسأل كيف حالي
|
وأين الصحب.. هل آبوا جميعاً
|
كما آب الشبابُ.. إلى المآل؟
|
هنا.. كان الصبا يملي القوافي
|
فأكتبُها.. لأجفان الغزالِ
|
وكان الشعر يغري بي الصبايا
|
كما تُغوى الهدايةُ بالضلالِ
|
هنا.. واليوم أسأل عن حياتي
|
فأُفجعُ بالجوابِ... وبالسؤالِ
|
أقاهرتي! افترقنا ثلثَ قرنٍ
|
فهل لي أن أبثكِ ما بدا لي؟
|
ذرعتُ مناكب الصحراء.. حتى
|
شكتْ من طول رحلتها رحالي
|
وجبتُ البحر.. يدفعني شراعي
|
إلى المجهولِ.. في جُزرِ المُحالِ
|
وعانقتُ السعادة في ذراها
|
وقلبني الشقاء على النصالِ
|
كرعتُ هزيمةً.. ورشفتُ نصراً
|
فمات الشهد في سم الصلال
|
ضحلتُ.. وضجةُ الأصحاب حولي
|
ونحتُ.. وللنوى وخزُ النبالِ
|
وعدتُ من المعارك.. لستُ أدري
|
علامَ أضعتُ عُمري في النزالِ
|
وماذا عنكِ؟ هل جربت بعدي
|
من الأهوالِ قاصمة الجبالِ؟
|
وهل عانيتِ ما عانيتُ.. جُرحاً
|
تجهّمه الطبيبُ! بلا اندمال؟
|
على عينيكِ ألمح برق دمعٍ
|
أحالكِ يا حبيبةُ مثل حالي؟
|
|