عمري 25 عاماً وأعمل منذ سنتين محررة في إحدى دور النشر وسعيدة جداً بعملي.
أنا مخطوبة وسأتزوج في منتصف العام القادم. لكن كل هذا لم يكن في مخططاتي قبل 15 سنة. في ذلك السن كان كل ما أردت صنعه هو الاختفاء في حفرة او داخل جدار ولا يراني أحد.
في ذلك السن كل ما كنت أطمح له هو أن أمر أمام الآخرين وأنا أرفع رأسي ولا أنظر للأسفل طول الوقت.
لم أكن أعاني فقط من مشكلات عدم التفاهم بين جيلي الآباء والأبناء التي تنتشر بين المراهقين بل كنت أعاني من كره لكل أصدقائي. ولكن الأمر لم يكن يتعلق بكوني مراهقة فتلك الحالة بدأت معي منذ أن بدأت اختلط بالآخرين في سن المدرسة.
نتصور نحن الكبار أن الأطفال الأبرياء لا يمكن أن يكونوا مصدر ألم نفسي للآخرين. ربما لأن الكبار والبالغين يضعون في اعتبارهم أن أي تصرف يبدر من الصغير يمكن تفسيره وتبريره ولا يؤخذ بجدية. ربما لأن الأطفال لا يجرؤون في الغالب على توجيه أي انتقاد جارح للبالغين كما ينجحون في توجيهه لمن في سنهم أو أصغر.
أعترف بأن أنفي لم يكن كبيراً لدرجة مخيفة حتى يصبح محل انتقاد وتعليقات. في سن السادسة كنت أيضاً أعانى من عدم انتظام شكل أسناني العلوية. هذا جعل وجهي محط انتباه الآخرين. وهكذا بدأت رحلتي مع التعذيب النفسي اليومي.
كنت أحب التعليم والتعلم لكن ذهابي للمدرسة يومياً كان كابوساً. حاولت أن أجعل والدي يشعران بذلك لكنني فشلت. حتى عندما تحولت فجأة إلى طفلة عنيفة وضربت إحدى زميلاتي على أنفها لم أستطع أن أجعل الآخرين يشعرون بقسوة تعليق زميلتي الذي دفعني للكمها.
كنا في صالة المدرسة الرياضية نغير ملابسنا استعداداً لدرس الرياضة البدنية وكنت أنحني لأربط خيط حذائي فإذا بإحدى الزميلات تقول: هييه يا دون لا تنحني هكذا فتسقطين بسبب أنفك الكبير.
ضحكت الزميلات اللاتي كن معها. لكني لم أدرك كمية الغضب الذي تسارع في جوفي إلا عندما وجدت مدرِّسة الرياضة تشدني من فوق تلك الزميلة وأنا بكل إصرار ألكم أنفها. توالت السنوات وتوالت معها التعليقات.
في المرحلة المتوسطة كانت التعليقات الأكثر تداولاً على من هم مثلي من نوع: هل سحبوك من بطن أمك بواسطة أنفك؟ أو (لا تلتفتى فجأة حتى لا يحدث إعصار في المدينة)، أو (سيمنعونك من المرور بالشارع حتى لا تمنعي الرؤية عن الآخرين).. أتريدون تعليقات أخرى؟ لا زلت أحفظها وإن كانت لا تؤثر فيَّ الآن لكني قادرة على تذكر وخز الألم التي كانت تسري في داخلي وأنا اسمعها تتردد. في المرحلة الثانوية بدأت مأساتي مع أنفي تكبر. كان وكان أنفي يتواطأ ضدي لصالح صديقاتي. كان يكبر بشكل شبه يومي او هكذا بدا لي وقتها.
كنت أيضاً أرتدى مقوم الأسنان في تلك المرحلة مما أضاف لشكلي المنفر بعداً جديداً. في هذه المرحلة كانت التعليقات والجمل الساخرة تأتي بشكل أكثر حرفية: لا تخافي لن تتبلل قدميك في المطر وأنت التي تملكين أنفاً كهذا أو (أرجوك ابتعدي أريد أن أرى الطريق أمامي) أو (سيكون خطيبك أكثر الرجال سعادة بحقيقة أن خاتم الخطبة يلبس بالإصبع وليس الأنف وإلا كان سيُفلس)، تعليقات مثل هذه لا تترك لك مجالاً وأنت في تلك السن أن تحب نفسك أو تحب الآخرين.
وأنا كنت أكره الاثنين وبقوة. فكرت بالانتحار مراراً لكنني لم أنفذ أي من تلك الأفكار لأني رأفت بحال والدي اللذين فقدا أخي الأكبر في حادث سيارة وأنا في سن الثالثة عشرة ورأيت كيف كان الحزن يقضي عليهما.
عندما بلغت السابعة عشرة انتقل عمل والدي لولاية إنديانا وتعرفت على ابنة الجيران التي أتت بالحل لمشكلتي دون أن تدري. كانت جارتنا تعمل في مكتب جراح تجميل وكنت كثيراً ما أود طرح سؤال يتعلق بأنفي لكنني كنت أتراجع.
فبنت الجيران كانت لطيفة ولم تلحظ مرة أن أنفى بشع مثلاً أو هي كانت لطيفة لدرجة أنها لم تعلق او تسخر او تمازحني عنه.
جاءت الفرصة عندما أقامت المدرسة حفلة نهاية العام وأصرت صديقتي الجديدة أن أحضرها. ذهبنا إلى السوق لشراء ما نحتاج للحفلة وكان الماكياج من ضمن ما عدنا به. والدة صديقتي أرادت أن تجرب وضع الماكياج الجديد على وجهينا.
وفي لحظة ضعف سألتها إن كانت تستطيع إيجاد حل تجميلي لأنفي. كنت أقصد أن تستخدم الماكياج للتخفيف من شكل أنفي الكبير. لكن جارتنا أساءت فهم جملتي فراحت تشرح كل ما تعرفه عن جراحات تجميل الأنف. كانت فرصة رائعة لم أتصورها من قبل.
هنا طلبت منها أن تشرح كل شيء قالته لي لوالديَّ لعلهما يقتنعان بضرورة إجرائي للعملية وعدم وجود مخاطر مبالغ بها كما يرددان دائماً.
وفعلت جارتي ذلك. لم يقتنع والديَّ بسهولة او مباشرة لكنهما وافقا على إصطحابي لرؤية الجراح رئيس جارتنا. بدأ مشوار الفرح منذ تلك اللحظة. أقنع الجراح والديَّ وخاصة أنه وفر لهما استشارة ثانية مع جراح آخر أجاب على كل أسئلتهما وأسئلتي. في إجازة الصيف ذاك العام أجريت العملية. لم اهتم للألم الذي كنت أشعر به بعد العملية. لم اهتم لمنظر الكدمات التي خلفته العملية مباشرة بعدها.. تحملت كل شيء وأنا في غاية السعادة. بلغت سعادتي ذروتها عندما بدأ أنفي الجدي يأخذ شكله الطبيعي بعد أسابيع من العملية. أتذكر أني تأملت أنفي فزعة على صوت الرياح والأمطار في الخارج ولسبب ما قفز لعقلي تعليق ساخر (لن تتبلل قدميك عندما تمطر وأنت بأنف كهذا).. أسرعت للمرآة وتأملت أنفي جيداً.
كان مناسباً لبقية ملامحي. ابتسمت وخرجت رغم المطر لحديقة المنزل وأنا بثياب النوم. رقصت تحت المطر الهادر وأنا أصرخ بسعادة. تبللت قدمي.. تبللت قدمي.
بقلم - دون ساردون