الكتاب: Ideas: A History of Thought and Invention, From Fire to Freud
المؤلف: Peter Watson
الناشر: HarperCollins
شهد العالم الكثير من المشاريع العلمية الضخمة التي حاولت أن تؤرخ لأهم الاختراعات والاكتشافات التي مرت علينا منذ فجر التاريخ، وقد انضم الكثير من الكتاب البريطانيين إلى أولئك العلماء، من بينهم الدكتور جونسون وقاموسه الشهير، وكذلك الكاتب إتش.جي. ويلز ومحاولته الكبيرة لتقديم (خطوط عامة للتاريخ)، وقد استطاع الكثير منهم أن يجمعوا كميات هائلة من المعلومات وقدموا نتائجهم في صورة مفعمة بالحيوية وواضحة بصورة تناسب القارئ العادي.
وقد حاول الكتاب الأمريكيون أن يقدموا نظرة عامة تهدف إلى الموضوعية في عرضهم للأعمال المهمة في التاريخ، ومعظمهم تبنى نبرة غير شخصية وقيموا الأعمال تقييماً مجرداً دون تدخل شخصي منهم، إلا أن الكثير من العلماء البريطانيين لم يخجلوا من عرض رؤاهم الخاصة وتعليقاتهم على المادة المعروضة في كتابهم، وليس فقط مؤلفين مثل ويلز وجونسون، ولكن أيضاً الصحفي بول جونسون في كتابه (أوقات معاصرة)، والناقد الأدبي مارتن سيمور سميث في كتابه (المرشد الجديد لأدب العالم المعاصر)، أما مؤلف هذا الكتاب وهو بيتر واطسون الذي يعيش في لندن، وألف 13 كتاباً، فلا يعد استثناء عن الكتّاب البريطانيين.
ففي السابق ألف كتاباً بعنوان: (العقل المعاصر: تاريخ فكري للقرن العشرين)، والآن يخرج لنا بمشروع أكثر طموحاً، بعنوان: (الأفكار: تاريخ الفكر والاختراع، من النار إلى فرويد)، والذي يعد محاولة جريئة لتلخيص تاريخ الأفكار من حقبة ما قبل التاريخ إلى السنوات الأولى من القرن العشرين.
وربما اختار المؤلف هذا العنوان مع ناشره بسبب الجناس ما بين كلمتي (النار) و(فرويد) باللغة الإنجليزية فهما قريبتان؛ وذلك لإيجاد نوع من الانسيابية في العنوان، لأن المؤلف لم يبد اهتماماً كبيراً بالعلوم النفسية والاجتماعية، مثل تلك التي قدمها فرويد. ولكنه كان أكثر اهتماماً بالأفكار التي ساهمت في تطور العلوم الطبيعية، وهذا بالتأكيد يشتمل على النار، إضافة إلى الكثير من الأفكار البدائية التي كانت عبارة عن اكتشافات حجرية في حقبة ما قبل النار.
وفيما يتعلق بفرويد فمن الواضح من سطور الكتاب أن واطسون غير معجب به، وخلص إلى أن هذا الدكتور الذي ترك بصمة عالمية هو ومشروعه للتحليل النفسي لم يثبتا فعالية أو فائدة، ورفض أن يعتبر أن التحليل النفسي واحد من العلوم الطبيعية، وذلك لأنه يجنح إلى تقييم الأفكار من وجهة نظر (العلوم الحقيقية)، في حين لم يتطرق إلى علاج فرويد، وتجاهل أيضاً أنه أثبت فائدته لحل مشكلات المرضى مع المعالجين النفسيين.
وبدلاً من الاعتماد بصورة أساسية على عمل تسلسل زمني لأفكار التاريخ، فإن واطسون وصف مختلف النظريات العلمية للعلماء الحاليين وأصولها وأهميتها، وقدم لنا معلومات حديثة عن طريقة تفكير هؤلاء المتخصصين وأبحاثهم، واستطاع أن يصحح بعض الافتراضات العلمية الخاطئة التي ربما يتبناها بعض القراء غير المتخصصين.
وفي الجزء المحوري للكتاب في الفصل المعنون (المفصل الهام للتاريخ)، يتساءل المؤلف كيف استطاعت أوروبا أن تصبح فجأة متقدمة للغاية، بعدما كان يراها الزوار القادمون من الشرق الأكثر تقدماً على أنها جزء متخلف ومثير للشفقة، وذلك قبل أن تحدث نهضتها بعد حقبة العصور الوسطى.
وقد أشار بعض العلماء السابقين إلى أن ذلك بسبب عصر النهضة وإلى حركة الإصلاح وإلى الثورة العلمية، وحددوا المنعطفات التاريخية لأوروبا في الفترة ما بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر، إلا أن واطسون يقول إن العديد من العلماء رأوا أن بدء التغيير جاء في فترة سابقة على ذلك بكثير، بدءًا من القرن الحادي عشر مع البدايات الأولى لمذهب (الفردية)، والذي اعتبره نقلة نوعية، وذلك في أعقاب فترة (المفاجآت الكبرى) التي حدثت للفكر الغربي بعدما كانوا يظنون أن نهاية العالم ستكون عام 1000م وأن هذا العام سيجلب الدمار للعالم وكانوا يتوقعون قدوم النهاية، وهذا ما لم يحدث، مما أدى إلى حقبة جديدة بنمط جديد للتفكير.
وفي مقدمة الكتاب أخبر المؤلف القراء بأهم ما يريد قوله في الكتاب، فبينما قدم الباحثون الآخرون كل الأفكار الكبرى بدءاً من النار والزراعة وانتهاءً بالحركة البروتستانتية ومذهب العقلانية اللتين وصفتا بأنهما أكثر الأفكار تغييراً للعالم، إلا أن ترشيحات واطسون كانت (أوروبا) و(تجربة التواضع).
ومن وجهة نظره فإنه يعتبر أن العلوم الطبيعية ودراسة العالم المحسوس قد أثبتت أنها أكثر إثمارًا في المجهودات الإنسانية، وعلى الرغم من أنه يقدر العلوم الاجتماعية إلا أنه يتشكك في أي علوم نفسية بدءًا من أفلاطون وحتى مذهب الرومانسية.وقد خرج الكتاب في النهاية بصورة الدليل الإرشادي لتاريخ الفكر، والذي لا يمتلك قارئه إلا أن يتوقف أمامه إعجابه لشموليته وتحفيزه لمزيد من الأفكار.