Al Jazirah NewsPaper Monday  26/11/2007 G Issue 12842
الرأي
الأثنين 16 ذو القعدة 1428   العدد  12842
د.الشبيلي ..والوفاء ل(أعلام بلا إعلام)
مصطفى محمد كتوعة

بعد سلسلة من إصداراته التوثيقية عن (الإعلام) ومراحل تطوره ومحطاته المهمة التي أبحر فيها كل باحث في مسيرة الإعلام السعودي والعربي، قدم لنا الأستاذ الأكاديمي والباحث والرائد الإعلامي المعروف الدكتور عبدالرحمن بن صالح الشبيلي إطلالة جديدة ومهمة، ولكن هذه المرة من بوابة التراجم بنفس التميز العلمي والبحثي المنهجي، حيث شرع لنا نافذة رحبة على كوكبة من الأفذاذ الذين خدموا الوطن بإخلاص وفي صمت بعيداً عن جاذبية الأضواء، رغم أنهم في صميم ضمير هذا الوطن الوفي بعطائهم، فقد أصدر حبيبنا الدكتور عبدالرحمن الشبيلي كتابه الجديد بعنوان لم أجد أبلغ منه في وصف هذه الكوكبة المضيئة وهو: (أعلام بلا إعلام).

الإصدار جاء في نحو (400) صفحة من القطع المتوسط.. والجميل حقاً أنه يعكس حالة خاصة من الوفاء لأجيال من الرواد في مجالات شتى، وهذا ليس بغريب على باحث وإعلامي وأكاديمي بارز، عهدنا فيه تحليقه في فضاءات رحبة بالكلمة الصادقة والمعلومة الصحيحة والتأريخ الدقيق، فأصبحت مراجعه مصادر خصبة للتاريخ والمعرفة والبحث.

والجميل أيضاً أن كتاب (أعلام بلا إعلام) كتب مقدمته أستاذ الأجيال في العلم والتربية والسجايا العالية والكلمة الثرية حبيبنا وأستاذنا معالي الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الخويطر متعه الله بالصحة والعافية، ولذلك يجد كل قارئ نفسه في حميمية رائعة مع هذا الكتاب القيم، هي ثمرة جهد جهيد وصادق من الدكتور الشبيلي امتد لأكثر من اثني عشر عاماً تعكس احترافية جديدة في كتابة التراجم بعد أن سبق وقدم نموذجاً متميزاً لكتابة السيرة، ووفق المعايير الدقيقة للتوثيق.

ثلاثاً وأربعين شخصية يضمها كتاب (أعلام بلا إعلام) وكأني بالدكتور عبدالرحمن الشبيلي يعطينا جرعة منشطة قوية للذاكرة بتاريخ أبرز أعلام الوطن، بل أراه بهذه الخطوة التوثيقية، يؤسس لذاكرة جديدة لأجيال لم تعاصر مرحلة الريادة لهذه الرموز من أبناء وبنات الوطن، ونحسب له ذلك إخلاصاً ووفاءً لحق لم يطلبوه وهم في ذروة عطائهم الوطني.

وقبل السياحة التاريخية والمعرفية في الإصدار، أطل بكم على التقديم البديع والحميم الذي خطه عاشق الوطن وتاريخه معالي الدكتور عبدالعزيز الخويطر عن الكتاب وعن هؤلاء (الأعلام) وبطبيعة الحال عن مقدم هذه التراجم الرائعة الدكتور عبدالرحمن الشبيلي.. وهنا لا أصف ما قاله معاليه، وإنما أقتبس بعضاً من كنوز مفرداته وشعوره المحب الوفي تجاه هذه التراجم وأصحابها يقول وفقه الله: (إن في تدوين حياة هؤلاء الأعلام تسجيلاً لتاريخنا، ونحن في حاجة إلى رسم جوانبه من جميع النواحي).

من ضمن الشخصيات الثلاثة والأربعين الذين تناولهم الكتاب معالي الدكتور منصور بن إبراهيم التركي مدير جامعة الملك سعود (سابقاً) قبل خمسة عشر عاماً، لكنه - كما أشار الكتاب - ما يزال حياً في ذاكرة الجامعة والوطن بحيوية إدارته ونزاهة سيرته وبالإنجازات التي حققتها الجامعة في عهده، ولا ينقص من ذلك عزوفه عن الأضواء والظهور في المحافل العامة.. وهو من مدرسة الإرادة (البلدوزر) التي تجرف طريقها في التنفيذ، ولا تعير انتباهاً للمعوقات والروتين، لكنها تعالج آثار ذلك في خطوة لاحقة، أي وفق مبدأ (ابدأ ثم أصلح).

وأسرة التركي من عنيزة وهي أسرة كريمة أقام فرع منها في المدينة المنورة ومنها والده وعمه فضيلة الشيخ محمد بن علي التركي الذي تولى القضاء في مطلع العهد السعودي، وقد حاز الدكتور منصور على أوسمة عدة وشهادات دكتوراه فخرية، وله إسهامات مع صندوق النقد الدولي، وشارك في عضوية مجالس إدارات عدد من الشركات، وهو خبرة اقتصادية وإدارية وتعليمية رفيعة وعمل وكيلاً لوزارة المالية والاقتصاد الوطني للشؤون الاقتصادية.

كما أفرد الكتاب صفحات عن معالي الشيخ محمد سرور الصبان رحمه الله، توثق بإيجاز مراحل مهمة خلال مشواره الثري بالعطاء ومسؤولياته وإسهاماته في خدمة الوطن ودعم الوسط الثقافي والإعلامي، ووصف نشأته بأنه عاش منذ صغره هاجس التجديد والتنوير والعصرية والإصلاح في وطنه، وولد مع تاريخ الصحوة الذهنية التي جاءت مع التخلص من حكم الأتراك، ويحمد لمعالي الشيخ محمد سرور الصبان أنه وظف ماله وجهده وعبقريته ومؤلفاته وكتاباته الجريئة كي يرى هذا الوطن وقد احتل مكان صدارة تتناسب وموقعه الروحي في العالم العربي والإسلامي.

ومن الأعلام أيضاً التي يضمها كتاب الدكتور عبدالرحمن الشبيلي معالي الدكتور رضا بن محمد سعيد عبيد، وكتب عنه المؤلف إضاءات من سيرة هذه القامة الوطنية البارزة التي أسهمت بحق في التطور العلمي كمدير لجامعة الملك عبدالعزيز، ومما أشار إليه هو فترة رئاسة معالي الدكتور رضا للمركز الوطني للعلوم والتقنية (مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية حالياً) كما قال عنه: (إنه صنف من الرجال كلما زادت به المعرفة نما احترامه وارتفع قدره ومكانته).

ومن الشخصيات المؤثرة علم بارز من أعلام الوطن أيضاً وهو معالي الشيخ محمد بن عبدالله النويصر، وكتب الدكتور الشبيلي عنه يقول: (هذا الإنسان العامل بصمت الذي لا يهزه الإطراء ولا يأبه بموقعه في أدوات الدعاية والإعلام، حقق التوازن في نهجه والقصد والاعتدال في التدبير والتصرف الشخصي، وحظي باحترام رؤسائه وزملائه) وأشار إلى مسؤولياته رئيساً للديوان الملكي.

كما كتب عنه قائلاً: (إن معالي الشيخ محمد النويصر من فئة العقلاء الذين حافظوا على سمتهم وصمتهم، ولم يعرضوا أنفسهم للبروز ولم يتخذوا منصات للوجاهة الاجتماعية، وهي أمور يندر وجودها بين المسؤولين ويصعب عليهم أن يقوموها ويثابروا على النأي بأنفسهم عنها، فهو مع كل ما يتمتع به معاليه من جاذبية وموضوعية ووظيفية لم يتحفز يوماً لمقابلة إعلامية، كما أنه من مدرسة متميزة في الإدارة تجمع بين التقليدية والتحديث، وقد سجل معالي الشيخ محمد النويصر أطول فترة قضاها رئيس سابق في منصبه رئيساً للديوان الملكي وأطول فترة قضاها موظف في الوظيفة العامة (68 عاماً).

هذا غيض من فيض تراجم الدكتور عبدالرحمن الشبيلي عن 43 شخصية بارزة، وعذري في هذه المساحة، ولعلي أختم هنا مقتبساً مما جاء على الغلاف الأخير لهذا الإصدار القيم حيث قال المؤلف ما أراد منه أن يكون رسالة ل(الإعلام) فقد قال: (لقد ذهب أفذاذ ممن يجب أن تتزين المجتمعات بعطائهم، لم ينشر لهم ذكر، ولم يحتف لهم بأثر، لقد توارت نبضاتهم زهداً منهم في الضجيج الذي تعج به السوق، وخفتت ومضاتهم في الأضواء التي تطلقها محطات الإعلام، بهذا السبب ماتت بذور وذبلت زهور وجهلت مواهب).شكراً للدكتور عبدالرحمن ونتمنى أن يطل يشرع لنا إطلالة أخرى عن المزيد من (الأعلام) من أبناء هذا الوطن وأن يتسع لأسماء نسائية سعودية معاصرة خدمت الوطن والإنسانية عبر صروح العلم والهيئات الدولية.. والله الموفق.

الحكمة.. إذا كنت مخلصاً.. فليكن إخلاصك إلى حد الوفاء










 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد