شبح الموت يخيم على المدينة، يطبق قبضته على أحيائها، ينشب أظفاره ببيوتها، يتخير مَن شاء من أهلها، يباغت الشيوخ كما الشباب، والفتيان كما الفتيات، حتى الأطفال الرضع كان لهم نصيب مما نزل بأهلهم، ولم يسلم من طوفانه الجارف إلا من رحم. بعد نزول المصيبة عمّ البلاء كل بيت، حتى التي لم تفجع بأحد أفرادها فجعت بموت خال، أو عم، أو قريب.. شهور طويلة والموت يقتنص ضحاياه بكل دقة فلا يخطئ ممن أصاب أحدا.
والأحساء - كغيرها من المدن المكلومة - بدت كئيبة موحشة كما لم تكن من قبل، خرير مائها، جريان أنهارها، ظلال نخيلها، لم تعد ترسم البسمة على الوجوه التي غادرها سرورها، ولا البهجة على النفوس التي فارقتها أفراحها، وحدها الأحزان كانت تترصدهم في كل مكان، فتصحبهم في دورهم وطرقاتهم وأسواقهم... فلما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، علموا ألا ملجأ من الله إلا إليه، فأعادتهم المصيبة إلى الله ليعرفوه حق معرفته.
أرتهم نقمته التي كانوا يتعوذون منها، وذكرتهم رحمته التي طالما رجوها، وكلما ازدادت وطأة الموت عليهم ازدادوا صبرا وتضرعا وخشية، لم ينقموا.. لم يضجروا.. لم يتركوا للتذمر إليهم طريقا، وبعد توبة وإنابة، وتضرع واستغفار، سموا ما نزل بهم (سنة الرحمة)؛ لأنهم رأوا أن الله قد رحم من اختار إلى جواره منهم. كان ذلك في سنة 1337هـ، أو سنة الرحمة كما وسموها آنذاك، أو الحصبة الألمانية كما عرفت لاحقا، أو وباء الكوليرا كما وسمها آخرون، أو الطاعون... أو سنة الموت كما لم يختلف على ذلك أحد!
ومثلما كان لهذه السنة ضحايا وأموات فقد كان لها فرسان وأبطال، كانوا يبرزون للموت بشجاعة، فلا يخافون فتكه، ولا يصدون عنه، ولا يتحاشونه وهم يعودون مرضاهم، ويواسون مبتلاهم، ويوارون موتاهم، فلا يخشون عدواه، ولا يخيفهم وباؤه، وسلاحهم: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّه لَنَا}.
السري الوجيه محمد بن عبدالمحسن بن سليم آل ملحم.. كان واحدا من أبطال هذه السنة، وقد تجلت بطولته وهو يزور أحد العلماء، وفيما هما يتحدثان إذ جاء نفر من المفجوعين بذويهم، يخبرون العالم أن المقبرة قد ضاقت بالموتى، وألا مكان لدفن المزيد منهم، وأن القبور القديمة التي نبشوها لا تزال تحتفظ برفاة موتاها، فهل ينبشون المزيد منها أم يدفنون في مكان آخر؟
أطرق العالم لحظات قبل أن يجيب مستفتيه، وهنا تدخل محمد بن سليم معلنا: اللهم إني قد أوقفت (أم زرينيق) مقبرة للمسلمين!
لم تكن (أم زرينيق) في أصلها مقبرة، أو أرضا بورا لا غنى له بها، بل كانت ضواحي كبيرة مترامية الأطراف، تزرع فيها الحبوب والخضر ونحوها، قبل أن تصبح مقبرة، ولم يكتف ابن سليم بهذا، بل إنه ضم إليها أراضي محيطة بها، اشتراها فيما بعد للغرض ذاته؛ توسعة لها، فلما تم له ذلك أوقفها مجتمعة، ومنذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا والناس يدفنون فيها ولما يبلغوا ثلثها بعد!
وقد جاء في نص وثيقتها: (وقف المشتري محمد بن عبدالمحسن المذكور المبيع المزبور لوجه الله تعالى، وقف ذلك وأبده وصية معتبرة للمسلمين، وأذن في الدفن فيها إذنا عاما مشهرا. ضاعف الله له الأجور يوم البعث والنشور لكون المقبرة التي قبلي النعاثل قد ضاقت فجعل هذه الأرض وقفاً قربة لوجه الله تعالى. جزاه الله خيراً. وقد أشهد على ذلك الوقف مَن سبق ذكره).
لم يكن محمد بن سليم من أصحاب المبادرات القليلة النادرة، أو اليتيمة المفردة في حياة حافلة بالكثير من العطاء، وفي زمن كان أبرز صفاته الضنك والفقر والجوع، بل كان سباقا إلى أعمال البر والإحسان، وأخباره في هذا المجال كثيرة لا يتسع المقام لذكرها؛ لذا سأكتفي بوثيقتين من شأنهما - مع ما سلف - أن تحدثا عن الكثير من شمائله.
قبل ضم الأحساء إلى الدولة السعودية الثالثة كان الأمن مفقودا في ربوعها، ولحياة الغاب فيها صولة، ومن جراء ذلك كانت الفتن لا تسكن، فهنا قتل وهناك ثأر، ومن ثم انتقام وانتقام مضاد لا يتوقفان. وذات سنة من تلك السني الفارطة، هاجم آل حبيل أمراء قرية الطرف(1) أهل قرية مجاورة، فقتلوا منهم جماعة، فأخرج الوالي العثماني قوة للتنكيل بهم، فلم يقدر عليهم لتفرقهم في البلاد، فلما عاد عسكره إلى الكوت عاد آل حبيل إلى قريتهم بعد أن أمنوا جانبهم، وبعد زمن جدت أحداث، وتكسرت نصال على نصال، فاطمأن آل حبيل وصاروا يختلفون إلى الهفوف من حين إلى حين، والوالي يتظاهر بالغفلة عنهم حيناً، ويتشاغل ويشغل بغيرهم حيناً آخر، وفي الوقت ذاته يتحين الفرصة للنَّيْل منهم، فلما واتته بغيته، داهمهم جنوده وهم في الكوت - في حادثة معروفة ليس هذا محل ذكرها - ففروا منهم، فكانت وجهتهم إلى فريق آل ملحم، فلما بلغوا الحي استجاروا بأهله فأجاروهم، والعسكر مجدون في إثرهم، فلما أدركوهم ألفوا آل ملحم مشهرين أسلحتهم دون آل حبيل، فعاد العسكر من حيث أتوا، فأمروا بالكف عنهم ماداموا في جوار آل ملحم، وكان حملة السلاح من آل ملحم وأتباعهم يومذاك نحو مئتي مقاتل.
أقام آل حبيل في جوار آل ملحم زمناً، ومحمد بن سليم أثرى آل ملحم يومذاك، فاستضاف آل حبيل في واحد من بيوته الكثيرة في الحي، فأقاموا عنده نحو سنتين، حتى تغيرت الأحوال، فأمنوا على أنفسهم، وخرجوا إلى ديارهم لم يمسوا بسوء.
في تلك الأثناء توثقت صلة آل حبيل بآل ملحم وبآل سليم خاصة، فصاروا يتواصلون ويتزاورون، وذات يوم خرج محمد بن سليم يتفقد بعض أملاكه بقرب قرية الطرف، فزار آل حبيل، ولما حضرتهم الصلاة، قاموا لأدائها في المسجد، فكانت صلاتهم في جامع الطرف المسمى جامع سيالة، فلاحظ ابن سليم ضيق المسجد بالمصلين، فتساءل: لِمَ لا يوسع للناس؟ فقالوا: هو محاط ببعض البيوت! فقال: راجعوا أصحابها فمن رغب منهم بيع بيته فأنا أشتريه؟ ثم أقام محمداً بن أحمد آل حبيل وكيلاً ينوب عنه في هذا الأمر، حتى تم له ما أراد.
وفي حجة الوقف الموثقة لتوسعته للجامع، نقرأ ما يلي: (الحمد لله. موجبه هو أنه قد اشترى الرجل المكرم محمد بن أحمد المحمد الحبيل بوكالته عن الرجل المكرم محمد بن عبدالمحسن آل ملحم جميع وجملة البيت الكائن موقعه قرية الطرف، بثمن شرعي عده وقدره مائة ريال فضة فرانسا. فبموجب ما ذكر صار البيت المذكور مالا وملكا للمشترى له المزبور يتصرف فيه كيف شاء.. وقد أوقفه الرجل المكرم محمد بن عبدالمحسن آل ملحم لوجه الله زيادة في مسجد سيالة جامع قرية الطرف لا يباع ولا يشترى، فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شهود البيع والوكالة الرجل المكرم الشيخ عبدالله بن الشيخ حمد المبارك والرجل عبدالعزيز بن علي العيد وكفى بالله شهيدا. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم). والوثيقة غير مؤرخة كشأن بعض الوثائق المهملة التاريخ آنذاك، بيد أني أرجح أنها وقعت بعد سنة 1328هـ.
وفي الوثيقة الثانية المؤرخة في عام 1348هـ: خبر سعد بن راشد اليمني، الذي أراد أن ينتفع بالضاحية الوسطى من ملك الربعانية العائد لمحمد بن سليم، على سبيل الإجارة الشرعية لمدة عشر سنوات، إلا أن ابن سليم أبى عليه ذلك، ووهبه منفعتها على سبيل الإعارة بغير أجرة للمدة المذكورة، وفي تلك الوثيقة يقول سعد بن راشد اليمني بعد البسملة: (الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين، وبعد: فموجب هذه السطور وداعيها من الأمور هو أنني سعد بن راشد اليمني قد استأذنت الرجل المكرم محمد بن عبدالمحسن بن سليم بطريق العارية وضع حضار على الضاحية الوسطى من الربعانية المسماة أم عبيد لمدة عشر سنوات فلأجل المعلومية والبيان أعطيته هذه الوثيقة وأذنت بها لمن يشهد والله خير الشاهدين، وكفى بالله حسيبي، وصلى الله على محمد آله وصحبه وسلم. صحيح سعد بن راشد اليمني (الختم) تحريره في سنة 1348هـ. شهد بما ذكر عيسى بن أحمد بودي. شهد بما ذكر راشد بن موسى بن حرشان).
توفي محمد بن عبدالمحسن بن سليم آل ملحم عام 1357هـ، ومواقفه مع فقراء أسرته، ورجالات قبيلته، وأهل بلده لم تكتب، ولن أتفاءل فأقول لن تنسى؛ لأنها بكل بساطة لم تؤرخ، والحديث عنها يطول، والمقام هنا يضيق، ولعلنا نوفي الحديث عنها في موطن آخر، يكون لفكرتها وموضوعها أكثر رحابة وأوسع مدى.
الهامش
(1) إحدى قرى الأحساء المعروفة وتقع إلى الجنوب منها.
عبدالله بن أحمد آل ملحم