|
|
|
شاعرنا العواجي يحلق في سمائه دائماً.. ويبحر في مائه دائماً.. يأخذك معه حيث تأخذه أجنحته.. وحيث يحمله قاربه مرتاداً نهر الحب.. وبحر الصب.. تارة ننهل معه الماء الزلال.. وأخرى نترع معه الماء يستسيغه الشاعر حتى ولو جاء مر المذاق.. هكذا شعر الحياة.. وهكذا مرآتها تعكس للرائي جوانب متقاطعة من خيالاته ومن تهوماته ومن تهيؤاته.. لا خيار له أن يختار.. ولا خيار له أن يحتار.. أدبيات الحياة الملونة تفرض نفسها.. وتجلى إرادتها.
|
الشاعر مجرد ناقل لما تلتقطه العدسة الحياتية دون طلاء.. ودون رتوش.
|
شاعرنا اختار لنا أن نبحر معه ومع عدسة شعره في أولى محطاتها.. وأول لقطاتها (دعها تسافر)
|
عيناكِ يا جذوتي تختال باسمة
|
تُسر لي بالهوى. والشوق. والقُبَل
|
تقول خذني إلى عينيك إنهما
|
مدايَ. منذ عناق البدء بالأزل
|
دعها تسافر في دنياك حالمة
|
نشوى بحبك. بين الصحو والنمل
|
وانسج لها من بيوت الشعر أردية
|
تحمي صفاها من الأعياء والملل
|
وافرش لها من نقاء العشق أنسجة
|
خيوطها زمني. والحسن. يا أملي
|
مساحة الحركة تحددت.. وملامحها استبانت.. فهل يقوى شاعرنا على استبطان كل تلك التوصيات؟ واستيطان كل تلك الرغبات..؟ أمام رغبة عمر مساحته بمساحة دفء عيون أودعها أجله. أخاله أعطى لنا المقدمة لما سيأتي.. والمدخل لما سيسوقنا إليه ومعه:
|
(دعي افتعال مشيبي) وأقسى شيء على الرجل أن تستعيب عليه امرأة كهولته متناسية رجولته.
|
دعي افتعال مشيبي إنني رجل
|
وُلدت من ألف عام بعد مولدك
|
شربت كأس الهوى طفلا وهأنذا
|
طفل يرى العيش دون الحب كالهلك
|
رضيت درب الهوى دربي ولا أسَف
|
فكل أنجمه أجرام في فلكي
|
بهذا القدر من الاعتزاز جاء الرد.. وجاء التصميم في إقناعها وإشباع ما في قلبه من هوى.. رغم مرارة الجوى..
|
نسيت ما فات من عسر ومن غضب
|
وعدت طفلاً يرى الأضواء في الحلك
|
إنه يرفض أن تشيخ به الأيام لأن قلبه المشبوب بالعاطفة الجميلة لا يهرم
|
رفضت أن تكبر الأيام ما بقيت
|
أمينة في دماكِ الطهر في يدك
|
ما زال الحب يأخذنا معه حيث أخذه ريح قلبه لأنها الحب.. والحب هي:
|
الحب أنتِ. فما للحب يستتر
|
وقد خبا في ظلال الغيمة القمر
|
وما له صامت والنطق يسأله
|
أن يغرف الشوق كي لا ينتهي السهر
|
وأنا بدوري أسأل شاعرنا العواجي أين علامات الاستفهام اللازمة لكل سؤال؟!
|
لا شيء في هذه الدنيا وإن عظمت
|
عشق يضاهي هوانا حين يستعر
|
هذا ما يحسه كل عاشق.. ويحكم به على نفسه.. هناك مجانين عشق.. وهناك قتلى حب.. وشاعرنا لم يُجن. ولم يقتله غرامه وهيامه..
|
تمر به أيام الحب سريعة كالثواني.. الأماني الحلوة تطويها في عجل.. وفي وجل أن لا تعود.. إنه يهاتفها:
|
فاحميه من ذاتِك الصغرى ونزوتها
|
فكم تداعى بفعل الأرضة الحجر
|
|
يا سيد الدار ما زالت مجالسها
|
تشكو الفراغ. وأشجانا تؤرقها
|
تعج بالناس أغرابا وذي رحم
|
وبابها منزع في وجه قاصدها
|
|
لكنها لم تزل مذ غبت خاوية
|
تئن من قسوة الفرقى مرابعها
|
أكاد أسمع صوت الهمس يوقظني
|
وقد غفلتُ عن الذكرى وقسوتها
|
فأنت تسكن في عمقي وفي خلدي
|
وفي سلوكي. وأشياء تمثلها
|
هل بعد كل هذا غفلة.. أو غفوة؟! لقد أبَّنت. وبنت بوهج مشاعر برك لأبيك.. وهكذا الشعراء إنهم الأكثر وفاء حين تدهمهم فاجعة لأنهم يمتلكون مفردات الرثاء وأدوات الوداع الحزين.
|
في رثائيته مقاطع بلاغية تصف الدار.. كيف كانت وكيف آلت.. كيف كان المجتمع بمروءاته وكيف انهزم بتداعياته
|
وأنت يا سيدي تسمو على زمن
|
فيه المروءات خجلى من تخاذلها
|
توطأتها فعال المال تسحقها
|
وتمسح العفة العذراء من يدها
|
وحين ضاقت رحاب الصبر في زمني
|
أودعتها القلب. علَّ القلب يحفظها
|
(أنقاض ليل) نبحث في ركامه أشياء أودعها شاعرنا وهو يتهالك..
|
تغرب الشمس عن عيون البرايا
|
فتضيئين وحشتي وسكوني
|
فكأني يا ليل.. لم يك ليلا
|
وكأن المساء صبحا بعيني
|
وكأن النجوم يعرفن سري
|
وهموميي. وصحوتي. وحنيني
|
لا أثر هنا لأنقاض.. كل شيء يشع.. ويملأ مساحة الأفق الصامت بريقاً ولمعاناً.. إنها نهاره ولياليه التي يستمد منها طاقة حركته دون خشية ولا قلق..
|
لم أر الليل منذ شع سناك
|
بدّد الظلَّ من شظايا يقيني
|
نزك الليل في فضائي صفاء
|
وضياء. وصمته. وفنوني
|
(لا تطفئ النار) عنوان حالة جديدة للحب.. يسعد باشتعال نارها قلبه.. يخاف الرماد الذي تخلفه النار..
|
لا شيء يطفئ وهج الموجد فاتقدي
|
يا نار سحر. وزيدي جذوتي لهبا
|
واشعلي حمم الأشواق في كبدي
|
فإنني عاشق يستلهم الموصبا
|
أرى الحياة بدون الحب باردة
|
صقيعها يقتل الإحساس والطربا
|
لا تطفئ النار يا هذا فلو عرفت
|
عيناك لون الهوى لن تطفئ الحطبا
|
بهذا الوصف الموفق أبقى على نار حبه مشتعلة مستخدما فيها كل أدوات الاحتراق بما فيها الحطب ما دام يطفئ الجسد.. ويحمي المشاعر من رعشتها..
|
ومن النار. إلى الناي وعازف.. يبدو أنهما توأماك في قاموس شاعرنا..
|
يا عازف الناي لحن الحب يطربني
|
وأنَّه منك تحيي جذوة النار
|
اسكب إذا الليل أصفى رعشه شجنا
|
وارسم على وجهه أقمار سُمَّار
|
من لحن نايه نسج أشرعة تميل به حيث يميل الهوى وحيث يختار خطة سيره
|
يا عازف الناي مزق صمتَ أمسيتي
|
وامسح غبار الخوا عن وجه أوتاري
|
فإنني بين أنغام ترددها..
|
وقربُها ودَّعت عيناي أسفاري
|
ما بين رجع الصدى. والحب متقد
|
والشوق تشعله أوتار قيثاري
|
ويعطي شاعرنا لملهمته حرية القول كما تشاء دون رقابة. دون إقصاء ولا مصادرة (قولي كما تشائين:
|
قولي كما تبغين. لا تترددي
|
وتأملي ما شئت في درب الهوى
|
ودعي عروق القلب تنبض حرة
|
والحس ينطق بالشغاف وبالجوى
|
فالعشق لا قانون يحكم ضده
|
إلا انصهار فيه قلبان سوا
|
إذا كان هذا حال العشق.. ماذا نقول عن حرية الإنسان المصادرة.. والإملاءات التي تفرض على حركته وخطة سيره..؟!
|
قولي كما يحكي فؤاد له واتركي
|
همس العيون تزيل آثار الخوا
|
ومن حرية القول المطلق إلى حرية الكتابة الغير مقيدة وهي ترصد الموقف.. وتسجل المشهد دون تدخل
|
ليس احلى من الكتابة فيك
|
غير تقبيل ناظري ناظريك
|
والمعاني بخاطري تتداعى
|
في قصيدي اذا ارتقين اليك
|
أنتِ يا أنتِ ثورتي وسكوني
|
وحروفي أودعتها خافقيك
|
كل هذا المنح السخي في عطائه ودون حدود جاء من أجل أن تضيء ليله الداجي
|
|
|
يبدو أن خطأ طباعيا أورد كلمة (ليل الدجى) ب (ليلي الدجى، أما هو فما زال صوته ينساب في داخل يبدد عنه بقايا ضجره.. يطالبها بالمزيد والمزيد..
|
أضيئي بعشقك ادخال قلبي
|
ليصبح فجري العتيد وتر
|
لتزهر حبات رملي العتيق
|
وموجُ السراب بحسِّي نهر
|
ويختتم مناجاته الطويلة قائلاً لها:
|
فحين تطلين يزهو الربيع
|
وفوح الخزامى. وزخ المطر..
|
أخشى على شاعرنا الواجد الواله من تخمة الحب.. شعراء الحب الأقدمون كانوا أكثر تقشفا.. وأكبر بخلا.. هذه المرة يرتاد عيدها وعيدها بالنسبة إليه ليس ككل الأعياد.
|
ثلاث سنين.. أم ثلاث ثواني
|
سيان عندي أينما تلقاني
|
أرتاد عيدك كي أزيد تأممي
|
شوال يا عرسا لكل زمان
|
ما أنت إلا موعد أبدعته
|
أما الهوى فله مكان ثاني
|
ويغرق في توصيفه.. وتوظيفه لمفردات الحب حتى ليكاد يُغرقها معه.. إلا أن الغرق الذي يقتل.. ويختم قصيدته قائلاً:
|
وتسافر الأيام حولي لا أرى
|
فيها سواك معطرا لزماني
|
تجاوزت بحرص شديد كل قصائده النثرية.. أو نثره الفني لأن في شعره الأصيل ما يثري المادة وأكثر.. حيث الهجرة إلى الربيع
|
يقولون إني في الهوى مثل طائر
|
يهاجر من روض لروض ويرحل
|
هذا ما قلته قبل أن أقرأ اعترافك يا أخي إبراهيم.. وجدتك فراشة حب تتراقص بين الزهور تلثم زهرة فما تشبع وتحطه في أحضان أخرى فما تخلد إلى الراحة.. وهكذا دواليك.
|
له موطن في كل فصل وبقعة
|
ومن نبعه الصافي يَعلُّ وينهل
|
وفي كل عين تسلب اللب جولة
|
وفي كل قلب يسرق القلبَ موئل
|
|
وما أنا إلا طائر يكره الشتا
|
ويحرقه صيف الصحارى ويقتل
|
لهذا جاء انتقامه والتهامه لكل خميلة، ووردة. وجميلة بعد أن غشاه اليأس طويلاً، واستوطنه البؤس. واستبطنه النوى.. بسرعة مد لها جناح الشوق.
|
وعانقتها حتى تلاشيت في الضيا
|
وفي نبضها نبض يجيء ويرحل
|
إلى أين بعد هذا سنرحل يا شاعرنا المغرد؟
|
لقد أعدَّ لنا وجها. ومرايا حيث المشهد الذي لا يقبل المساحيق.. ولا التجميل..
|
ليس بدرا ما تنظرين إليه
|
إنه وجهكِ الجميل الصبوح
|
يملأ الأرض والسماء شعاعا
|
سرمديا. ضياؤه لا يروح
|
والمرايا أمام وجهكِ ظنت
|
أن بدراً من الأعالي يلوح
|
ليس بدراً فثغركِ العذب يحكي
|
بعض ما فيه من هوى ويبوح
|
قصيدة لا تحوجها إضافة.. سوى أنني أخشى عليها وعلى أخواتها من الغرور.. ما زاد على حده انقلب إلى ضده.. وينتشلنا شاعرنا العواجي من بحر الوصف المائج والهائج إلى جدول الفلسفة الدافقة الرافقة كي تذكرنا بشيء ما نخشى على أنفسنا تجاهله.
|
رُبَّ حي كميِّت دون ذكر
|
ودفين شذاه يحيي السنينا
|
هذه سنة الحياة ولكن
|
رعشة الوجد تستدر الجفونا
|
إنها عظة الموت والحياة وقد اختتم بها قصيدة رثائية ثانية بمناسبة مرور أعوام ثلاثة على رحيله. ونحن نقترب أيضاً من النهاية من رحلة سفر ماتعة مع شاعرنا الصديق د.إبراهيم العواجي في ديوانه (مدٌّ. والشاطئ أنتِ) نتوقف معاً في عشق من نوع آخر.. عشق وطن.. (كان الهوى نجداً)..
|
نسجت شراعا من أشعة لوعتي
|
وأبحرت حين الموج قد كان مشتدا
|
مجاديف أبحاري إلى شاطئ الهوى
|
تباريح وجد تجهل الجزر. والمدّا.
|
إن يرى بعين انتمائه شاطئ أحلامه كإطلالة الفجر يبادله الأشواق.. والولاء. والعهد. والود
|
وإني وإن كانت تلالي وساحلي
|
مراتع عشق فالهوى كان لي (نجدا)
|
كأن نجوم الليل حين تضيئها
|
بحور من الإشعاع تخطبها الودا
|
يسترسل في حنينه وعشقه الأكبر إلى ترابه وتراثه.. إلى أهله.. إلى جبله وسهله.. إلى أثله ونخله.. إلى مرابع صباه.. ومراتع طفولته.. إلى رجولته حيث المكان والزمان.. كل هذا التاريخ.. وهذا الإيحاء يتحول إلى بوح ساخن الكلمات
|
إذا ما تهادى فوق صمت سهولها
|
كعاشقة تكسو ضفائرها الحذا
|
تخبئ عن كل الخلائق وجهها
|
لكي لا يبوح الوجه للعاذل. الوغدا
|
وبدر يخط الضوء فوق جبينها
|
ويرقص مفتونا. ويسألها المدَّا
|
فلا تسأليني كيف أضحت رمالها
|
بحوراً، وقد كانت لها خلفة ضدا
|
ونختتم الديوان بمقطوعته الخفيفة (عابر لم يزل هنا).. تُرى من هو هذا العابر؟ ولماذا بقي؟!
|
مرَّ كالطيف عابرا
|
وتوارى كما التهب
|
نظرة من مسني
|
من لظاها شظا لهب
|
وتوارى..! وليته
|
ما توارى، ولم يغب
|
لماذا هذا التردد.. ولمن؟!
|
ترك القلب عالقا
|
ولساني به عطب
|
عابر. لم يزل هنا
|
ظل في النبض ما ذهب
|
وفجأة انزاح الهم.. وأشرق الحلم
|
بدأ الصبح باكرا
|
واختفت مسحة التعب
|
اختفى الليل فجأة
|
حينما طيفه اقترب
|
أي طيف هذا الذي باقترابه ذهبت ذيول الليل.. وهبت تباشير الصباح.. لا أدري.. السر في بطن الشاعر.. المهم أن ضبابية الأفق انقشعت.. وتحرك مجرى الحياة بكل روافده.. وانتهينا مع شاعرنا على خير.. وإلى خير.. ومع لقاء متجدد في حلقة جديدة بإذن الله
|
سعد البواردي |
الرياض ص.ب 231185-الرمز 11321- فاكس 2053338 |
|
|