Al Jazirah NewsPaper Thursday  06/12/2007 G Issue 12852
الرأي
الخميس 26 ذو القعدة 1428   العدد  12852

دماثة الأخلاق الغربية
د. مراد عبدالله العشبان-طبيب عام

يتناقل العديد من زوار الدول الغربية القادمين من دول العالم الثالث انطباعات مثيرة عن مدى ظرافة ولطافة الأخلاق العامة في الحواضر الغربية. ومن ديوانيات طلابنا المبتعثين إلى مقاهي العاملين المهاجرين وإلى ذكريات السياح العائدين، تتناثر أحاديث السمر عن ذاك الموقف العجيب عندما أرجع صاحب التاكسي الأمين في عاصمة أوروبية شهيرة جزءاً من أجرته إلى الراكب العربي؛ لأنه - السائق - قد أخطأ واتبع طريقاً أطول من الطريق المعتاد! أو عن تلك الشقراء التي بكت أدباً عندما لم تستطع جاهدة أن توضح للسائح العربي موقع المطعم الذي يبحث عنه!.. أو عن تلك العجوز ذات الابتسامة الرائعة التي رحبت بالعائلة الخليجية حديثة السكن بقربها، وذلك بإهدائهم كعكة لذيذة من فطيرة التفاح الشهيرة! وفي المقابل يحب العديد من المغرمين بالدعاية لدماثة الأخلاق الغربية والمشجعين لها أن يقارنوا أشباه الأمثلة السابقة بواقع سلوكي، عربي وإسلامي، غاية في التردي والتخلف الحضاري؛ فللمثال: تكاد تكون ثقافة النصب والاحتيال على السائح - ولا سيما الخليجي سيئ الطالع - تعليمية ومتوارثة في بعض العواصم العربية! ويكاد الأدب في الحديث واحترام المخاطب يكون مرتبطاً بالميوعة في الأخلاق، ونقص الرجولة، بل قلة الأدب في عواصم عربية أخرى؛ مما يذكرني بقول أبي فراس الحمداني:

وَنَحنُ أُناسٌ لا تَوَسُّطَ عِندَنا

لَنا الصَدرُ دونَ العالَمينَ أَوِ القَبرُ

وفي بلداننا تكاد المرافق العامة - كالحمامات مثلاً - التي تعكس صورة صادقة عن طبيعة السلوك العام في المجتمع، تكاد تكون - هذه المرافق - لوحات تشكيلية بائسة وحزينة من القاذورات، ودلالة حقيقية لتصرفات تعيسة وكئيبة. وهنا يبرز التعليق الشهير: (حنا فين وهم فين؟!)؛ ولذلك أجد في نفسي فضولاً جامحاً لألقي الضوء على بعض النقاط ذات العلاقة لتوضيح شامل لهذا الأمر، آخذاً بالاعتبار زوايا متعددة وجوانب متفرقة.

- تترافق الطبيعة الغناء والجغرافية الخضراء - كما هو الحال في معظم الدول الغربية - مع توجه إنساني فسيولوجي ونفسي نحو دماثة الأخلاق على المستوى الاجتماعي والفردي. وفي حديث ضعيف رواه الحاكم في تاريخه وقيل موضوع: (ثلاثة يجلين البصر: النظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري وإلى الوجه الحسن)... على الأقل قد يكون ذلك صحيحاً!

- يرتبط المناخ والجو العام المعتدل أو المائل للبرودة قليلاً بمثل ما سبق، على الأقل هذا ما نشعر به في موسم الشتاء في معظم مناطق بلادنا الحبيبة، وتحث برودة الجسم - كما هو معلوم - فيزيولوجيا الجسد البشري إلى النشاط ليبقى دافئاً بينما تحث الحرارة المرتفعة للجسم الجسد إلى السكون لكيلا ترتفع حرارته عن المعدل الطبيعي.

- تطورت الأخلاق الغربية العامة في أعماق حضارة صناعية رأسمالية تمتد في التاريخ إلى بضع مئات من السنين.. هذا برأيي قد طبع الفرد الغربي بشخصية الموظف المطيع والودود والمجتهد في عمله، والذي بالتالي أصبح مطيعاً ومجتهداً في اتباع القانون والعرف العام وإظهار ميزات الشخصية المتحضرة لمن حوله.. من أحضان استعباد الرأسماليين ومن المصانع إلى المكاتب ولد الفرد الغربي المعاصر، مبتسماً بأريحية، ومتأسفاً بحزن، وراجياً بأدب، ومقدراً بصدق، ومحترماً للخصوصيات.. لقد أجاد ذلك لمئات السنين كموظف حتى أصبح يجيد ذلك ليلاً ونهاراً كفرد في المجتمع.

- تفتقد منظومة الأخلاق الغربية إلى التأكيد على العديد من الأخلاقيات المبجلة في الدين الإسلامي بل والمسيحي والعديد من الأديان والثقافات الأخرى.. كالأمانة والحفاظ على العرض والشهامة والبر بالوالدين وصلة الأرحام وتحريم الغيبة والنميمة والكرم وغير ذلك.

- تتزامن الأخلاق الغربية العامة مع وجود قوي للقانون المدني وربما يتداعى الكثير منها في حال غياب تلك القوانين.. وهنا تتبادر إلى الأذهان حوادث السلب والنهب الشهيرة التي حدثت في مدينة نيويورك إثر انقطاع الكهرباء لمدة ساعة تقريباً وذلك في الثمانينات من القرن الماضي أو حوادث العنف والسرقات التي تلت إعصار نيوأورليانز بمدينة لويزيانا في أمريكا والتي كادت تشمل طائرات الإخلاء الجوي الحكومية.

- تتوافق العديد من السلوكيات المتحضرة لدى الغرب من شعور الفرد بمدى رضاه تجاه المجتمع والنظام من حوله؛ فهو يشعر بأهمية المساهمة في هذه المظاهرة الأخلاقية الحضارية حتى يستمر الآخرون بكونهم (جيدين) تجاهه.. وهذا أمر يتوافق مع طبائع الأمور إلا أنه يطرح تساؤلاً بالغ الأهمية عن مدى صمود التحضر الغربي في مجتمعات تعج بهمجيات سلوكية شتى!

- تفتقد منظومة الأخلاق الحضارية الغربية إلى أسس ودلالات تؤكد على شموليتها تجاه كل الجنس البشري بلا استثناء عرقي أو ديني.. وعلى النقيض تكون هذه الحيثية جوهر أخلاقيات الحضارة الإسلامية.

- أخيراً ينقص مظاهر التحضر الغربي الالتزام العقائدي ويخل بمصداقيتها فقدان عامل (الإيمان) الأيديولوجي؛ مما يجعل التنبؤ بعدم استمراريتها تاريخياً أمراً مستوعباً ومبرراً.

لا يستطيع عاقل أن ينكر مدى الانبساط العام لدى عامة الناس عندما يشيع فيما بينهم أسلوب: (لو سمحت؟) وطريقة: (كم هو جميل رداؤك)، وأتيكيت: (إني أكنّ لك التقدير وأتمنى لك الأفضل). و(الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها) كما قيل (حديث ضعيف كما قال المحدثون، لكن قد يكون معناه غير قابل للنقاش)، وقد قال ابن عمر: (خذ الحكمة ولا يضرك من أي وعاء خرجت)، لكن ما يبدو غير منطقي هو تفضيل مجمل السلوكيات الغربية الحالية على الواقع العربي والإسلامي الأخلاقي دون نظر دقيق وتفصيل موضوعي لكلا الحالين، ولكلا الواقعين.

ربما نحن قوم تستحوذ علينا العاطفة سريعاً، وتستنطقنا المشاعر بتوقد، ويعز علينا أخطاء نرتكبها إلى درجة أن نستلذ بتعذيب الذات.. الذات الآثمة.. الذات التي فقدت إدراكها لذاتها!!

ashban2007@yahoo.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد