Al Jazirah NewsPaper Friday  07/12/2007 G Issue 12853
مقـالات
الجمعة 27 ذو القعدة 1428   العدد  12853
من فقه الحج: رؤوس المسائل الخلافية (1-3)
د. محمد بن سعد الشويعر

كتاب من أربعة أجزاء في المسائل الخلافية بين الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - وما جاء في مذهبه، وهو أحد المذاهب الخمسة الشهيرة: الحنابلة، والمالكية، والحنفية، والشافعية، والظاهرية، وغيرها المعروفة، سمَّاه مؤلفة أبو الموهب: الحسين بن محمد العكبري الحنبلي من علماء القرن الخامس من الهجري، بهذا الاسم المخصّص عنواناً لهذا الحديث.

...طُبع هذا الكتاب حديثاً في مكة بدراسة وتحقيق معالي الأستاذ الدكتور عبد الملك بن دهيش عام 1428هـ، وقد أوضح الدارس والمحقق أنه سبق له أن عمل تحقيق كتاب (رؤوس المسائل في الخلاف) على مذهب الإمام أحمد لأبي جعفر العباسي الهاشمي (411-470هـ)، وصدر الكتاب محققاً مطبوعاً في مجلدين عام 1422هـ، وأثناء عمله في تحقيقه تجمَّع لديه الكثير من الكتب الخطّية ذات العلاقة بموضوع الكتاب، ومنها: رؤوس المسائل الخلافية، تصنيف أبي المواهب: الحسين بن محمد العكبري، فوجده كتاباً مهماً في فنّه، ويضيف للمكتبة الفقهية - ولم تكتمل العبارة، ولعله يريد معلومات جديدة - فعزمت على تحقيقه وإخراجه. فوفَّقني الله إلى ذلك، فخرج في ثلاثة مجلدات - صحتها أربعة - احتوت على (2281) مسألة خلافية.

ومن أهميته أن مصنّفه اتبع المنهج العلمي في إيراده لتلك المسائل، حيث كان يستدل للمسألة الواحدة بما ورد في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، وآثار الصحابة والتابعين عند الاحتياج لذلك (المقدمة 1: 1-2).ولأننا في هذه الأيام بأشهر الحج، وتستقبل المملكة أعداداً كبيرة من الحجاج والزوار ممن جاؤوا وافدين من أطراف الأرض، ويتبع كل فئة منهم في تطبيق عباداتهم، ومنها حج بيت الله الحرام، واحداً من الأئمة المشهورين، وعلى طريقة يفتيهم علماؤهم.

لذا أحببت إيراد بعض المسائل من هذا الكتاب من باب التيسير والاسترشاد والاستئناس فيما يتعلق بالحج وأعماله، ولن يكون الموضوع استقصاء، وإنما بقدر ما يفيد وما يتلاءم مع الوقت والخير المتاح للطرح.. فأقول:

1- في المسألة 519 (1: 415) في أشهر الحج قال العكبري في قوله تعالى (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ) (البقرة: 197): اتفق الفقهاء على شهري شوال وذي القعدة، واختلفوا هل كل ذي الحجة من أشهر الحج أم لا أم هو جزء منها فقط؟

القول الأول: أن أشهر الحج هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يوم الحج الأكبر يوم النّحر)، رواه أبو داود في مسنده. فكيف يجوز أن يكون يوم النحر يوم الحج الأكبر ويعتبر ليس من أشهره؟!

ولأن يوم النحر فيه، وهو ركن الحج، وفيه طواف الزيارة، وفيه كثير من أعمال الحج، ومنها رمي الجمرة؛ جمرة العقبة، والنحر، والحلق، والطواف والسعي، والرجوع إلى منى، وما بعده.

كيف لا يكون من أشهره؟! لأنه ليس بوقت لإحرامه ولا لأركانه، فهو كالمحرم.

ذهب إلى ذلك الحنابلة والحنفية (ينظر المغنى 5: 110 وما بعده، والواضح 2: 182).

القول الثاني: أن أشهر الحج هي شوال وذو القعدة وذو الحجة؛ لأن أقلّ الجمع ثلاثة، والله سبحانه وتعالى يقول: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ). ذهب إلى هذا القول المالكية.

القول الثالث: أن آخر أشهر الحج ليلة النحر، وليس يوم النحر منها؛ لقوله تعالى (فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ)، ولا يمكن فرضه بعد ليلة النحر. ذهب إلى ذلك الشافعية. جاء في المهذّب (2: 678): وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر ليالٍ من ذي الحجة، وهو إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر؛ لما روي عن ابن مسعود وجابر وابن الزبير رضي الله عنهم أنهم قالوا: (أشهر الحج معلومات: شوال وذو القعدة وعشر ليالٍ من ذي الحجة). (يُراجع المجموع 132:7). وعند العكبري في المسألة (1:519: 415).

2- وجاء عنده في المسألة 531: أن المحرم إذا حلق شعر بدنه وجبت عليه الفدية، خلافاً لداود الظاهري. والدليل: لأن حلق الرأس مُنِع منه لأجل أنه يحصل له الترفه، وهذا المعنى موجود في شعر البدن، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز للمحرم حلق شعره؛ لقوله تعالى: (وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) (البقرة: 196).

ولحديث كعب بن عجرة، حيث قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احلق رأسك وصُمْ ثلاثة أيام، وأطعم ستة مساكين أو أنسك شاة) متفق عليه (صحيح البخاري 3: 17، وصحيح مسلم 2: 856) ومسند أحمد 6: 122، وسنن ابن ماجه 2: 103). وشعر الرأس والجسد سواء في ذلك (5: 145).

وجاء في المهذّب (2: 705): وإذا أحرم الرجل حرم عليه حلق الرأس للآية، ويحرم عليه حلق سائر البدن؛ لأن حلق البدن يُتنظف به ويترفه، فلم يجْرِ كحلق الرأس (يراجع المجموع 7: 252).

3- وفي المسألة 532 قال: إذا حلق القارن والمتمتّع قبل أن ينحر الهدي لم يجب عليهما دم في أصح الروايات خلافاً لأبي حنيفة، وجاء في الخلاصة الهامشية: هل القارن أو المتمتع إذا قدَّما الحلق على النحر يجب عليهما دم أم لا؟ لقد حصل خلاف بين الفقهاء على وجهين:

الأول: إذا حلق القارن أو المتمتع قبل أن ينحر فلا دم عليهما، ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء (كشف القناع 2: 503، والمهذب 1: 416). واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل: أفضتُ قبل أن أرمي؟ قال: ارْمِ ولا حرج. وعنه صلى الله عليه وسلم قال: (لمن قدَّم شيئاً قبل شيء فلا حرج)، رواهما سعيد في الستة. وبما روي عن ابن عمر قال رجل: يا رسول الله، حلقتُ قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج، فقال آخر: قد ذبحت قبل أن أرمي؟ قال: ارْمِ ولا حرج.

وجاء في كشاف القناع: (2: 503): (إن من قدَّم الحلق على الرمي أو على النحر، أو طاف للزيارة قبل رميه، أو نحر قبل رميه جاهلاً أو ناسياً، فلا شيء عليه، وكذا لو كان عالماً لحديث عطاء).

وجاء في المهذب (2: 791): فإن حلق قبل الذبح جاز؛ لما روى عبد الله بن عمر قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، لم أشعر؟ أي لم أعلم جهة التقدير والتأخير، فحلقت رأسي قلب أن أذبح؟ فقال: اذبح. أو قال: اذبح ولا حرج.. فجاءه آخر فقال: يا رسول الله، لم أشعر فنحرتُ قبل أن أرمي؟ فقال له: ارْمِ ولا حرج. فما سُئل عن شيء قدّم أو أخّر إلا قال: افعلْ ولا حرج.

قال المحقِّق: وقول السائل (لم أشعر)؛ أي لم أعلم جهة التقديم والتأخير.

القول الثاني: أنه إذا حلق القارن أو المتمتع قبل أن ينحر الهدي وجب عليه دم. ذهب إلى ذلك الحنفية، ورواية عن الحنابلة: يجب الدم في حق العامد دون الناسي والمخطئ (العكبري تحقيقاً 1: 423-424)، الهامش.

(للحديث صلة)

إبراهيم الخليل يبني بيت الله

جاء في كتاب (بناء الكعبة البيت الحرام) تحقيق عبد اللطيف بن دهيش: ذكر المسعودي في أخبار الزمان أن شيث بن آدم أمر ببناء البيت، فبناه هو وولده بالحجارة، وأمر بالحج والعمرة، فكان أول مَن اعتمر. وقال وهب بن منبه: فلما طاف نوح الأرض، يبلّغ حجة الله، أتاه وقت الحج، فرجع إلى البيت الحرام فحج، فلما رآه قومه فعل ذلك قالوا: لو هدمتم بيت نوح لكفّ عنكم أذاه، فائتمروا بهدم البيت وخراب المسجد الحرام، فهدموه وأخربوا آثار المسجد، فأرسل الله إلى نوح جبريل فقال: يا نوح، جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً، اشتدّ غضب الله وحقت كلمة العذاب على الكافرين، لا ملجأ لأهل الأرض من عذاب الله، احمل في السفينة من كل زوجين اثنين وأهلك، فإذا رأيت التنور قد فار فاركب أنت ومن معك، فكان من الطوفان ما كان.

وذكر الزبير بن بكار أن أنوش بن شيث أول مَن غرس النخلة، وبوّب الكعبة، وزرع الحبة، ونطق بالحكمة. واحتج بعضهم بقوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) (البقرة: 127) بأن هذا صريح في أن تلك القواعد كانت موجودة مهدمة، وأن إبراهيم عليه السلام رفعها وعمرها.

وقال سعيد بن المسيب: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: إن إبراهيم خليل الله أقبل من أرمينية ومعه السكينة تدلُّه على موضع البيت، فجاءت حتى تبوأت البيت كما تبوأ العنكبوت، فرفع إبراهيم القواعد عن أحجار يطيقها ثلاثون رجلاً، أو قال لا يطيقها.

قال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ) (الحج: 26): قد كان خفي مكان البيت فيما بين إبراهيم ونوح على الناس، وكان أول مسجد وُضع للناس يعبد الله فيه.

وقال مجاهد: أسّس إبراهيم زوايا البيت بأربعة أحجار؛ حجر من حراء، وحجر من ثبير، وحجر من الطور، وحجر من الجودي، وأن قواعده خُلقت قبل الأرض بألفي سنة.

وكان سعيد بن جبير يقول: يا معشر الشباب، سلوني قبل الموت فإني أوشكت أن أذهب من بين أظهركم، فأكثر الناس سؤاله، فقال الرجل: أصلحك الله، أرأيت هذا المقام، أهو كما نحدّث؟ قال: وما كنت تحدّث؟ قال: كنا نقول: إن إبراهيم عليه السلام حين جاء عرضت عليه امرأة إسماعيل النزول، فأبى أن ينزل، فجاءت بحجر فوضعته له: فقال: ليس كذلك. وكان هذا الحجر هو مقام إبراهيم الذي بنى هو وابنه إسماعيل البيت عليه (بناء الكعبة البيت الحرام: 71-75).



لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب5068 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد