Al Jazirah NewsPaper Friday  07/12/2007 G Issue 12853
الرأي
الجمعة 27 ذو القعدة 1428   العدد  12853
تصادم الثقافات
د. سعد بن محمد الفياض

لكل إنسان في كل مجتمع ثقافته التي يتبناها، وبيئته التي يعيش فيها وشخصيته التي يتميز بها، ورؤيته التي يسير من خلالها، ومنهجيته التي تربى عليها، والتي بها يفهم ويفكر، وعليها يحكم ويقرر، ومن خلال هذه الثقافة يحصل التصادم سواءٌ في البيت مع الزوجة والأبناء أو في العمل مع الزملاء والأصدقاء وخصوصاً إذا اختلفت التصورات وتباينت الأفكار ومن هنا تبدأ الاختلافات وتحصل المشكلات وخصوصا إذا دخلها حب الذات والانتصار للنفس وغلبة الهوى والإعجاب بالرأي.وعلى اختلاف الرأي كل قائل *** ضل الورى وأنا المصيبُ المهتدي

عندها تعظم المصيبة! وتحصل القطيعة! وتسود البغضاء! كل هذا بسب عدم تصور حقيقة النفس ومنهجية ثقافتها وتباين أفكارها، والتي تقوم عند البعض على سوء الظن وتفسير الأمور على غير ظاهرها!!، بل وتجريد المخالف من جميع صفاته الإيجابية!. إن ذكر المشكلة من طرف واحد والاستماع فقط إلى هذا الطرف وتفسير أفعال الطرف الآخر من منظور سلبي سبب لأزمة الاختلاف وتباين وجهات النظر؛ فإذا أزمتنا هي أزمة ثقافة، ونتيجة لذلك تتفاقم المشاكل ويحصل التهميش عند البعض، لذا ينبغي إحسان الظن بالآخر، وتعزيز نقاط الاتفاق ودعمها بل والانطلاق منها لفهم دوافع المشكلة وأسبابها، كم هو جميل أن يتبنى كل شخص هذه المقولة (رأيي خطا يحتمل الصواب ورأي غيري صواب يحتمل الخطأ) الإقناع والحوار، والصدق في الخطاب سبب لحل كثيراً من المشكلات. أتى شاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم طالباً إياه أن يأذن له في الزنا!!، شابٌ في ريعان شبابه، وفي كامل قوته وذروة حماسته، يطلب الإذن والسماح له بالزنا، فطلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يدنو منه، لم يعنفه أو يزجره بل أخذ يحاوره ويناقشه بقوله: أترضاه لأمك.. أترضاه لأختك لبنتك لخالتك لعمتك؟! وفي كل مرة يقول لا والذي بعثك بالحق والنبي، يقول له ولا الناس يرضونه لأمهاتهم ولا لبناتهم ولا لأخواتهم.....) الحديث. لقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أن لدى هذا الشاب مشكلة وفهماً وتفكيراً قد جانب فيه الصواب فأخذ يعالج تلك المشكلة علاجاً هادئاً متزناً بأسلوب الإقناع والحوار، حوارٌ منبعه الرأفة والرحمة، وغايته إصلاح هذا الفرد ومساعدته وتخليصه من هذه الفتنة المظلمة. أن النظرة الإيجابية للوقائع والأحداث، وتصور الحال والمآل، يساعد على تحديد المشكلة ومن ثم حلها أو على الأقل التخفيف منها، كم هو جميل أن تعالج كثيراً من مشاكلنا من خلال القدوة الحسنة التي يراها فينا الطرف الآخر فيتأثر بالخلق الحسن في المعاملة والعدل والإنصاف في الأحكام، وصدق الشاعر إذ يقول: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم *** فطالما استعبد إحسانُ إنسانا.

فرعون مصر له ثقافته التي نشأ وتربى عليها من الظلم والطغيان والبطش والعدوان انظر إلى ما يناسب هذه الثقافة (فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى). والملك نمرود الذي ضل عن معرفة خالقه، صاحب حجة وجدال الذي قال أنا أحيي وأميت فكان رد إبراهيم- عليه السلام: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ).

والصحابة -رضي الله عنهم- لما امتنعوا من أن يحلقوا ويتحللوا من عمرتهم في ُصلح الحديبية كان حل هذه المشكلة بأسلوب البدء بالتطبيق وذلك بالقدوة والامتثال بأن يحلق النبي شعره ويحل من عمرته. فما أن رأى الصحابة ذلك حتى أيقنوا وسلموا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم. والمرأة التي جُبلت على الرقة والعطف والحنان، كم هو جميل أن يستحضر المرء عند كل خلاف أو سوء تفاهم قول النبي- صلى الله عليه وسلم : لا يفرك (أي لا يكره) مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر.

وليعلم أنه ليس العيب أن نختلف أو أن تتباين أفهامنا ومداركنا وتصوراتنا، لكن العيب أن يترتب على هذا الاختلاف الهجر والقطيعة واتهام النيات والمقاصد!!



Saad.alfayyadh@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد