Al Jazirah NewsPaper Sunday  09/12/2007 G Issue 12855
وَرّاق الجزيرة
الأحد 29 ذو القعدة 1428   العدد  12855
أمن الحجيج في عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود
محمد بن حميد الجحدلي الحربي

عانى الحجاز لعدة قرون قبل حكم جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود(1) رحمه الله تعالى- باستثناء فترة حكم الدولة السعودية الأولى للحجاز(2)- اضطرابات وفتناً أدت إلى انعدام الأمن وقطع السابلة وتضرر البلاد والعباد، وسلب الحجاج وقتلهم. والدارس لتاريخ الحجاز قبل حكم الملك عبدالعزيز آل سعود بعدة قرون يجد أن أسباب تلك الفتن والمحن وانعدام الأمن وقطع السابلة، هي:

1- الصراع الدموي بين الأشراف على الحكم، ووقوف الدولة العثمانية ومن قبلهم المماليك موقف المتفرج على تلك الصراعات التي تؤدى في أحيان كثيرة إلى قتل وسلب الحجاج حتى وهم داخل مكة المكرمة والمشاعر المقدسة(3).

2- السياسة الخاطئة لأمراء وقواد المحمل المصري في التعامل مع القبائل ومنحهم مخصصاتهم التي فرضت لهم لقاء حفظ الدرك، وطمع أولئك الأمراء والقواد في تلك المخصصات نتيجة جهلهم بقوة القبائل وغرورهم بما يرافق القافلة من جند؛ مما ينتج عنه الصراع المسلح بين القبائل وقواد المحمل المصري، وانعكاس ذلك الصراع على قوافل الحجاج الذين يكونون ضحية هذا الصراع. فضلاً على سياسة محمد على باشا في الجزيرة العربية التي بُنيت على افتعال الفتن بين القبيلة الواحدة من باب (فرِّق تسد) ومساندة قواده لفئة ضد فئة أخرى من نفس القبيلة، مما يجعل إحدى الفئتين تمارس السلب وقطع الطريق على الحجاج(4).

أما الدارس لتاريخ الحجاز منذ عهد الملك عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله تعالى- إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله تعالى- فيجد الفرق شاسعاً بين العهد السابق لحكم الملك عبد العزيز باستثناء فترة حكم الدولة السعودية الأولى للحجاز، وبين عهد الدولة السعودية الثالثة، في توفر الأمن والأمان للبلاد والعباد والحجاج.

تمتد فترة حكم جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود - رحمه الله تعالى- مدة أربعة وخمسين عاماً تبدأ من تاريخ فتح الرياض سنة 1319هـ إلى تاريخ وفاته سنة 1373هـ.

والدارس لتاريخ حكم الملك عبد العزيز يجد أن فترة حكمه تميزت بمرحلتين مهمتين هما:

1- مرحلة الجهاد ولمّ الشتات وتوحيد البلاد ونشر الأمن، وهذه الفترة مدتها خمس وعشرون سنة تبدأ من تاريخ فتح الرياض سنة 1319هـ إلى تاريخ فتح جدة سنة 1344هـ.

2- مرحلة البناء والتطوير لبناء دولة عصرية بسن ما يلائمها من النظم، وإنشاء العلاقات السياسية والاقتصادية مع الدول العربية والأجنبية، وإن كانت الفترة الأولى احتوت على بعض من مرحلة البناء غير أنها في الفترة الثانية كانت أوسع وأشمل، وهذه الفترة مدتها تسع وثلاثون سنة تبدأ من تاريخ فتح جدة سنة 1344هـ إلى تاريخ وفاته -يرحمه الله- سنة 1373هـ.

كان من أهم سياسة الملك عبد العزيز عند دخول مكة المكرمة سنة 1343هـ وقبل فتح جدة، هو تحقيق الأمن والاطمئنان لحجاج بيت الله الحرام القادمين في ذلك العام لأداء نسكهم في يسر وسهولة، ولذلك نجد أنه حرص - رحمه الله تعالى- على تأمين السابلة ونشر الأمن في الحجاز، وأعلن للعالم الإسلامي بأن الطرق مأمونة لحجاج بيت الله الحرام قبل فتح مدينة جدة، وقام بإنزال الحجاج القادمين عن طريق البحر في ميناء رابغ، وميناء القنفذة، ليتيسر لهم الوصول إلى مكة المكرمة(5). واشترط على زعماء القبائل التي وفدت إليه في مكة المكرمة للدخول في طاعته أن يمنعوا في ديارهم السرقة والعدوان على الحجاج وعابري السبل، وليس لهم في مقابل ذلك شيء من الحقوق على الحجاج وغيرهم إلا ما تفضل به الإمام عبد العزيز عليهم بإعطائهم في مقابل خدماتهم ما يعطيه كبار رعاياه على جاري عاداته(6).

وقد تحدث عدد من الأدباء والمثقفين من خارج البلاد ممن تيسر لهم أداء فريضة الحج خلال الفترة بين سنة 1348هـ وسنة 1357هـ عن الأمن في الحجاز في عهد الملك عبد العزيز بعد أن وحد البلاد ولم الشتات ونشر الأمن والأمان.

قال الأمير شكيب أرسلان(7) في كتاب: (الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف)، وكان أدى فريضة الحج سنة 1348هـ ما نصه: (الأمن الشامل في بلاد الملك العادل الإمام عبد العزيز آل سعود: كنت صاعداً مرة من مكة إلى الطائف وكانت معي عباءة إحسائية سوداء جعلتها وراء ظهري في السيارة، فيظهر أنها سقطت من السيارة ولم نتنبه لها، فأخذ الناس يمرون فيرون هذه العباءة ملقاة على قارعة الطريق فلا يتجرأ أحد أن يلمسها، بل شرعت القوافل تتنكب عن الطريق عمداً حتى لا تمر على العباءة خشية أنه إذا أصاب هذه حادث يكون من مر من هناك مسؤولاً، فكانت هذه العباءة على الطريق أشبه بأفعى يفر الناس منها، بل لو كانت ثمة أفعى ما تجنبوها هذا التجنب كله، وأخيراً وصل خبرها إلى أمير الطائف محمد بن عبدالعزيز من سلالة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، فأرسل سيارة من الطائف أتت بها، وأخذ بالتحقق عن صاحبها فقيل له: إننا نحن مررنا من هناك وأن الأرجح كونها سقطت من سيارتنا، فجاء الأمير ثاني يوم يزورنا وسألنا: هل فقد لكم شيء من حوائجكم في أثناء مجيئكم من مكة؟ فأهبت برفاقي ليتفقدوا الحوائج فافتقدوها فإذا بالعباءة السوداء مفقودة، وكنا لم ننتبه لفقدانها، فقلنا له: عباءة سوداء إحسائية قال: هي عندنا، وقص علينا خبرها. وقد أتيت على هذه النادرة هنا مثلاً من أمثال لا تعد ولا تحصى من الأمن الشامل للقليل والكثير في أيام ابن سعود مما لم تُحدث عن مثله التواريخ حتى اليوم، فالمكان الذي سقطت فيه العباءة كان في الماضي كثيراً ما تقع فيه وقائع السلب والقتل ولا يمر الناس فيه إلا مسلحين، فأصبح إذا وجدت لقطة هناك على قارعة الطريق تجنب الناس الطريق لئلا يتهموا بها إذا فقدت، وكل يوم يأتي الشرطة والخفراء والعسس بلُقَط وحاجات ضائعة مما فقده السُفّار وذلك إلى دائرة الأمن العام، فتبحث عن أصحاب هذه اللقطات وتردها لهم مما يقضي بالعجب. وإنك لتجد هذا الأمن ممدود الرواق على جميع البلدان التي ارتفعت فيها راية ابن سعود بدون استثناء، ولو لم يكن من مآثر الحكم السعودي سوى هذه الأَمَنة الشاملة الوارفة الظلال على الأرواح والأموال التي جعلت صحاري الحجاز وفيافي نجد آمن من شوارع الحواضر الأوروبية لكان كافياً في استجلاب القلوب إليه، واستنطاق الألسن في الثناء عليه، فاليوم تجد التاجر والفلاح، والحادي والملاح، والحاج القاصد على الضوامر أو على الجواري المنشآت بالدسر والألواح يتحدثون بنعمة هذا الأمن الذي أنام الأنام بملء الأجفان، وجعل الخلق يذهبون ويجيئون في هاتيك الصحاري، وقد يكون معهم الذهب الرنان، وهم بلا سلاح ولا سِنان. حدثني بعض الأشراف الهاشميين من أولاد أمراء مكة أنفسهم أنهم كانوا في القرى التي لهم حول الطائف يوصدون أبوابها ليلاً، ولا يفتحونها لأي طارق خيفة الغيلة، وحذراً من سطو اللصوص، حتى جاء هذا العهد السعودي فصاروا يأمنون أن يبيتوا وأبوابهم مفتحة، وصاروا يفتحون لأي طارق جاءهم. وحدثني الجميع أنهم كانوا لا يقدرون على التجوال إلا مسلحين، فأصبح الآن كل إنسان يجول في الحواضر والبوادي أعزل لا يحمل شيئاً ولا السكين، وقد يكون حاملاً الذهب ولا يخشى عادية ولا حادثة، وكثيراً ما يترك الناس أوقار دوابهم في قارعة الطريق وتبقى أياماً وليالي إلى أن يعود أصحابها فيأخذوها ولا يتجرأ أحد أن ينظر إليها. وكل يوم يؤتى إلى دوائر الشرطة في كل بلدة بأمتعة وأسباب وحوائج وأموال، منها الكثيرة ومنها القليل، ومنها الثمين ومنها الخسيس مما يجده السابلة في الطريق اتفاقاً، فلا تجد أحداً يطمع في شيء بعد أن كان الدُّعَّار يذبحون ابن السبيل من أجل حاجة لا تكاد تساوي قِطميراً)(8).

وقال الأستاذ إبراهيم المازني(9) في كتاب: ((رحلة إلى الحجاز)) وكان أدى فريضة الحج سنة 1350هـ ما نصه: (ولم يكن في الدكاكين أحد لأنه وقت الصلاة، وكان الطريق غاصاً بالأطفال يمشون وراءنا ويحفون بنا، فتساءلت: ماذا يحمى هذه المتاجر أن يسرق منها هؤلاء الغلمان الفقراء؟ فقيل لي: إنه لا خوف منهم لأنه ما من أحد يجرؤ أن يسرق شيئاً(10)... (إلى أن يقول): وقد سألنا في طريقنا إلى مكة سائق السيارة وهو شاب حدثنا أنه كان أحد أفراد الفرقة الموسيقية في جيش الحسين عن الفرق بين العهدين فكان جوابه: إن الأمن مستتب على أحسن حال وإنه ما من أحد يجرؤ أن يسرق أو يمد يده إلى شيء في الطريق... (إلى أن يقول): وهناك في الشميسة استقبلنا وفد طويل عريض من مكة جاء ليرحب بنا ويحتفي بمقدمنا، وبينما نحن نتحادث دُعي مدير الشرطة أو لا أدرى من هو إلى التلفون، فاستأذن وذهب ثم عاد يسأل: هل لأحدكم عصا؟ قلت: نعم، أنا لي عصا ولكنها في السيارة، تركتها فيها، قال: ما أوصافها؟ قلت: هي عصا، قال: لا لا لا، لقد وجدت عصا في الطريق قرب الرغامة فقطعت على الناس السبيل. ابحث عنها من فضلك فإن الطريق مقطوع ولا أحد يروح أو يغدو. فهرولت إلى السيارة فلم أجد العصا فعدت وقلت: هي عصاي، فمضى إلى التلفون فعدوت وراءه وأسررت إليه وهو يتكلم في التلفون، فألتفت إلي وقال: هل نردها إلى جدة أو ندركك بها في مكة؟ فقلت: لست أريدها. فقال للتلفون: أرسلها مع الشرطة إلى الضيافة، فصحت به: لا لا، ردها إلى جدة من فضلك، فقال لمخاطبه: بل ردها إلى بيت العويني في جدة. ولست مبالغاً فيما رويت عن عصاي وما صنعت، فقد كنا في الطريق إذا بلغنا محطة واحتاج السائق إلى ماء يبرد به جوف هذه السيارة الذي يغلي، ويصيح بأحد الواقفين: هات ماء، فلا يتزحزح ولا يدنو منا بل يقول وهو واقف مكانه: تفضل. فينزل السائق ويجيء منه بما يريد، وقد سألنا عن سر هذه الجفوة وقلة الذوق، فقيل لنا بل هو الخوف من أن يدنو الغريب من السيارة فيتفق لسوء الحظ أن يضيع شيء من الأدوات أو مما تحمل السيارة فيتهم الرجل بالسرقة، وقد أمّن ابن السعود الناس على أرواحهم وأموالهم، ومن أجل ذلك يقع الناس على الشيء في الطريق فلا يقربونه أبداً، بل بلغ من ازدجارهم أنهم ربما مالوا إلى طريق آخر غير الذي فيه هذا الشيء المطروح حتى يمر شرطي فيحمله ويبحث عن صاحبه، أو يمروا هم بالشرطي فيبلغوه، وإذا لم يقعوا على صاحبه نشروا في (أم القرى) إعلاناً تحت عنوان (لُقَطات))(11).

وقال الأستاذ محيي الدين رضا(12) في كتاب: (رحلتي إلى الحجاز) وكان أدى فريضة الحج سنة 1353هـ ما نصه: (يعلم القراء ما كان يتعرض له محمل تركيا في زمن سطوتها من فتك الجناة به وبرجاله، وما كان يسود الحجاز عامة من حالة الفوضى والاضطراب والنهب والسلب في أيام الحج، فكان أشبه بنار متقدة، ولذلك كان كل حاج يعتقد أنه لن يعود سالماً إلى دياره فيوصي ويودع ويستسمح الناس، فهو إذا أمن شر العربان لم يثق أنه سيأمن طغيان الوباء الذي يجعل الطرق أشبه بساحات حرب تمددت فيها الجثث بعد انتهاء المعركة، وأما الآن فالحجاز يتمتع بأمن وارف وصحة جيدة وسلامة عامة بفضل جلالة الملك المصلح الحازم جلالة الملك عبد العزيز آل سعود مما لا يحلم به أحد، وقد صار من السهل على الآنسة العذراء التي تتحلى بأثمن الحلي والحلل أن تجوب الحجاز من أوله إلى آخره مشياً على قدميها وهي آمنه وادعة، والحديث في ذلك يطول، ولقد حدثني موظف في القنصلية البريطانية في جدة في مطلع عام 1930م بأنه عندما سمع بالأمن في الحجاز لم يصدق كل ما سمعه فجرب تجربة بأن ألقى في الشارع ريالاً ووقف خلف النافذة يرقب الأمر بنفسه، فهاله مارأى لأنه شاهد المارة بعد ما رأوا الريال ينحرفون عن طريقه إلى أن أخبروا الشرطي بالأمر فحضر وحمل الريال إلى دار الأمانات وأعلن عنه في جريدة (أم القرى) فذهب صاحبنا وأخذه وهو لا يكاد يصدق. وما قول القراء في أصحاب الحوانيت في الحجاز وهم يتركون حوانيتهم ليس عليها إلا شبكة ويذهبون إلى المساجد للصلاة وسماع المواعظ، فيمكثون من العصر إلى المغرب تقريباً وهم في أمن تام على سلعهم ونقودهم، ويمر أمامها جماهير من الفقراء، هذا شيء عجيب ولكني شاهدته بنفسي)(13).

وقال الأستاذ محمد طلعت باشا(14) في مقال بعنوان: (بعض ما رأيناه في الحجاز) ما نصه:(إن الطريق كانت فيما مضى غير مأمونة، والأموال بل الحياة نفسها كانت في خطر بعكس ما يرتع فيه الحجاج الآن من الأمن المنشور اللواء، وفي الطمأنينة الوريفة الظلال)(15).

وقال الدكتور عبد الوهاب عزام(16) في مقال بعنوان: (الحج) ما نصه: (كان سلفنا إذا أرادوا الحج تأهبوا لسفر شاق، وغاية بعيدة، وتزودوا لشهور عدة، ووطنوا أنفسهم على ما يلقون من المشقات والشدائد والأخطار، والتعرض للصوص وقطاع الطريق في كل مرحة وكل حين، بل كان المحمل المصري وهو في حراسة الجند والمدافع لا يجتاز المسافة بين مكة والمدينة إلا بعد إرضاء القبائل الضاربة على الطريق، وكان هؤلاء يتحكمون ويشتدون في مطالبهم، فإذا لم تجب مطالبهم باغتوا الحجيج بالغارة، بل قال المرحوم إبراهيم باشا الذي تولى إمارة المحمل سنين إنه زار غار حراء سنة 1318هـ ومعه مائة جندي وقال: (ومما ينبغي لزائري هذا الجبل أن يحملوا معهم الماء الكافي وأن يكونوا جماعاً يحملون السلاح حتى يدفعوا عن أنفسهم شر اللصوص من الجناة الذين يتربصون الفرص لسلب الحجاج أمتعتهم ونقودهم خصوصاً في مكان منقطع كهذا لا يقصده إلا بعض الحجاج، وقد بلغني أن جانياً قتل حاجاً فلم يجد معه غير ريال واحد فقيل له: تقتله من أجل ريال؟ فقال وهو فرح: الريال أحسن منه). ذلكم الحج قبل سنين، وأما الحج في هذا العصر فقد تهيأت وسائله وتيسرت مسافاته وأمنت سبله. وقد حدثني أحد الحجاج ونحن في مكة أنه ذهب إلى المدينة في رفقة فوقعت منه حقيبة في الطريق ولم يشعروا بها وتعطلت السيارة في الطريق يوماً أو يومين، فلما بلغوا المدينة افتقدوا الحقيبة فأخبروا الشرطة فردتها إليهم بعد قليل، وأُخبرت أن حاجاً آخر كان يطوف بالكعبة فسقطت منه ساعة، فذهب إلى الشرطة فردوها إليه، وأعرف طالباً من طلبة الجامعة سقطت منه ورقة بنك قيمتها جنيه في سوق مكة ولم يفتقدها إلا بعد أن رجع إلى المدرسة السعودية التي كنا ننزل بها، فلما رجع إلى السوق وجدها حيث سقطت أمام الدكان الذي كان يشتري منه. وقد تواترت الأقوال في أمثال هذه الحوادث حتى لم يبق مكان للشك فيها، وحتى اطمأن الناس فتركوا أمتعتهم الثقيلة في مساكنهم ليرجعوا إليها بعد قضاء مناسكهم ولم يجدوا حاجة إلى أخذها معهم، فنحن تركنا بعض متاعنا في جدة أمام الفندق المصري فأرسل إلينا في أيام مختلفة لم نفقد منه شيئاً، وقد تأخر متاع بعض الطلبة كثيراً فقلق، فقلت له: ستأتي حقائبك لا محالة فإن شيئاً لا يضيع في هذه البلاد، وكان يسكن إلى قولي حيناً ثم يعتاده القلب حتى جاءت أمتعته كاملة. وأخبرني مخبر عن رجل من الذين ذهبوا إلى الحجاز أنه كان في سيارة ضاقت بأمتعة الراكبين فأخذوا حقيبة عليها اسم صاحبها وتركوها في الطريق عمداً ليتحققوا ثم طلبوها حينما بلغوا غايتهم فردت إليهم)(17).

وقال الدكتور حسين مؤنس(18) في مقال بعنوان: (قبل خمسين عاماً كانت حجتي الأولى) وكان أدى فريضة الحج سنة 1357هـ نقلاً عن المطوف موسى الهزان من أهالي مكة المكرمة ما نصه: (إن الفضل في هذا يرجع إلى رجل واحد هو جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود الذي أنقذ الأراضي المقدسة بضمه الحجاز وقواعده الثلاث مكة والمدينة والطائف سنة 1344هـ إلى مملكته، ومن ذلك التاريخ أمنت البلاد المقدسة وعرفت الحكم الصالح والنظام، وقبل ذلك أيام الشرفاء ما عرفنا إلا الفوضى والظلم حتى كان اللصوص يعتدون على الحجاج، ولا أصور لكم حزم هذا الرجل وملوكيته ومعرفته بشؤون الإسلام والعروبة والعدل والنظام، وقد رأيت أنا العصرين وأستطيع أن أحدثكم عنها حديث العارف الواثق. هذه البلاد بعثت بعثاً جديداً على يد هذا الملك العظيم الذي عرفنا على يده الدين والعدل والنظام)(19).

وفي الختام؛ هذا غيض من فيض عن الأمن الذي أرسى دعائمه صقر الجزيرة الملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود - رحمه الله تعالى- ومن بعده أبناؤه الميامين، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يديم على بلادنا أمنها ورخاءها وأن يحفظ لنا ولاة أمرنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

الهوامش والتعليقات الجانبية:

(1) الملك عبدالعزيز: هو الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود، ملك المملكة العربية السعودية، صقر الجزيرة، وأحد رجال القرن الدهر، شهرته تغني عن إيراد ترجمة له، ولد في الرياض سنة 1293هـ، استعاد ملك آبائه وأجداده فاستعاد الرياض سنة 1319هـ، وضم إليها ما هو قريب منها كالخرج والمحمل والشعيب والوشم والحوطة والأفلاج ووادي الدواسر، استولى على القصيم سنة 1324هـ، وعلى الأحساء والقطيف سنة 1330هـ، ضم عسير إلى ملكه وأزال إمارة آل رشيد، ثم ضم الحجاز سنة 1343هـ، وأطلق على دولته اسم المملكة العربية السعودية سنة 1351هـ، نظم بلاده وسن لها ما يلائمها من من النظم، وقام بإنشاء علاقات سياسية واقتصادية مع الدول العربية والأجنبية. توفي رحمه الله تعالى في الطائف سنة 1373هـ ودفن في مقبرة العود بالرياض. (خير الدين الزركلي: الأعلام، دار العلم للملاين، بيروت، ط14، 1999م، ج4، ص ص 19-20، عبدالله الصالح العثيمين: تاريخ المملكة العربية السعودية، مكتبة العبيكان، الرياض، ط3، 1419هـ - 1998م، ج2، ص ص 45-355).

(2) امتدت فترة حكم الدولة السعودية الأولى من سنة 1157هـ إلى سنة 1234هـ، ناصرت دعوة الإمام المجد شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى، ونشرت الدعوة السلفية، وقضت على الشرك والبدع في الجزيرة العربية وحققت الأمن والأمان، وقد استطاعت حكم الحجاز لمدة عشر سنوات من سنة 1218هـ إلى سنة 1228. وعن الدولة السعودية الأولى، أنظر: حسين بن غنام: روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام، تحقيق د. ناصر الدين الأسد، ط4، بيروت، دار الشروق، 1415هـ عثمان بن عبدالله بن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، تحقيق عبدالرحمن بن عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ، ط4، الرياض، دارة الملك عبدالعزيز، 1402هـ، ونسخة أخرى، تحقيق د. محمد بن ناصر الشثري، ط1، الرياض، دار الحبيب، 1420هـ، عبدالله الصالح العثيمين: تاريخ المملكة العربية السعودية، مطابع الشريف، الرياض ط2، 1409هـ - 1984م، ج1. وغيرها من المؤلفات.

(3) عن الصراع بين الأشراف على الحكم، أنظر: النجم عمر بن فهد: إتحاف الورى بأخبار أم القرى، تحقيق د. عبدالكريم علي ا لباز، وفهيم محمد شلتوت، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1404هـ، عزالدين عبدالعزيز بن عمر بن فهد: غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام، تحقيق فهيم محمد شلتوت، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1406هـ، العز عبدالعزيز بن النجم بن فهد المكي: بلوغ القرى في ذيل إتحاف الورى بأخبار أم القرى، تحقيق ودراسة صلاح الدين بن خليل إبراهيم وآخرين، دار القاهرة، القاهرة، ط1، 1425هـ، جارالله بن العز بن النجم بن فهد: نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى، تحقيق محمد الحبيب الهيلة، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1420هـ، عبدالملك بن حسين العصامي: سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، تحقيق عادل أحمد عبدالموجود، وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1419هـ، علي بن تاج الدين بن تقي الدين السنجاري: منائح الكرم في أخبار مكة والبيت وولاة الحرم، تحقيق د. عبدالله محمد المصري وآخرين، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، الطبعة الأولى 1419هـ، محمد بن علي بن فضل الطبري المكي: إتحاف فضلاء الزمن بتاريخ ولاية بني الحسن، تحقيق د. محسن محمد حسن سليم، دار الكتاب الجامعي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1413هـ، أحمد بن زيني دحلان: خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، د.ط، 1397هـ.

(4) انظر: فائز بن موسى البدراني الحربي: فصول من تاريخ قبيلة حرب في نجد والحجاز، دار البدراني للنشر والتوزيع، الرياض، ط2، 1420هـ، ج1. وغيرها من المؤلفات التي تناولت حروب محمد علي باشا في الجزيرة العربية، والمحمل المصري.

(5) العثيمين: مصدر سابق، ج2، ص196، وعن أخبار قدوم الحجاج في تلك السنة أنظر ما نشرته جريدة أم القرى في ثنايا أعداد تلك السنة من العدد الأول إلى العدد الثلاثون.

(6) جريدة أم القرى، السنة الأولى، العدد الرابع، الجمعة 7 جمادى الآخرة 1343هـ، العدد السادس، الجمعة 21 جمادى الآخرة 1343هـ.

(7) شكيب أرسلان: هو شكيب بن حمود بن حسن بن يونس أرسلان، عالم بالأدب والساسة، مؤرخ، من أكابر الكتاب، ينعت بأمير البيان، ومن أعضاء المجمع العلمي العربي. ولد في لبنان سنة 1286هـ، تعلم في بيروت، وعين مديراً للشويفات، ثم قائم مقام. أقام بمصر، وانتخب نائباً عن حوران، سكن دمشق ثم برلين، ثم جنيف فأقام فيها 25 سنة، ثم عاد إلى بيروت. توفي في لبنان سنة 1366هـ. (الزركلي: الأعلام: ج3، ص ص 173-175).

(8) محمد بن حسن بن عقيل موسى الشريف: المختار من الرحلات الحجازية إلى مكة والمدينة النبوية، دار الأندلس الخضراء، جدة، الطبعة الأولى، 1421هـ - 2000م، ج3، ص ص 1034-1037.

(9) إبراهيم المازني: هو إبراهيم بن محمد بن عبدالقادر المازني، أديب، من كبار الكتاب، ولد في القاهرة سنة 1308هـ، تخرج بمدرسة المعلمين، فعمل في التدريس ثم الصحافة، كان من أبرع الناس في الترجمة عن الإنجليزية، نظم الشعر. توفي في القاهرة سنة 1368هـ. (الزركلي: الأعلام، ج1، ص ص 70-72).

(10) كان المازني في مدينة ينبع البحر. الشريف: المصدر السابق، ج3، ص ص 1044- 1046.

(11) الشريف: المرجع السابق، ج3، ص ص 1054-1059.

(12) محيي الدين رضا: هو محيي الدين بن صالح مخلص رضا، أديب صحفي، ولد بالقاهرة سنة 1310هـ تقريباً، عمل في جريدة الأخبار، توفي بالقاهرة سنة 1395هـ عن عمر ناهز 85 عاماً. (الزركلي: الأعلام، ج7، ص 190).

(13) الشريف: المرجع السابق، ج3، ص ص 1065-1066.

(14) محمد طلعت باشا: هو محمد طلعت بن حسن بن محمد حرب، زعيم مصر الاقتصادي، كاتب باحث، ولد في القاهرة سنة 1293هـ، تخرج من مدرسة الحقوق بالقاهرة وعين مترجماً، فمديراً لبعض الشركات، أنشأ شركة التعاون المالي، أنشأ بنك مصر. توفي في القاهرة سنة 1360هـ. (الزركلي: الأعلام، ج6، ص ص 175-176).

(15) الشريف: المرجع السابق، ج4، ص 1303.

(16) عبدالوهاب عزام: هو عبدالوهاب بن محمد بن حسن بن سالم عزام، عالم بالأدب، ولد في الشوابك من قرى الجيزة بمصر سنة 1312هـ، دخل الأزهر وتخرج بمدرسة القضاء الشرعي، ودرس بها، واتجه إلى الجامعة المصرية القديمة فأحرز شهادتها في الآداب والفلسفة، اختير مستشاراً للأمور الدينية في السفارة المصرية بلندن، التحق بقسم اللغات الشرقية بجامعة لندن ونال منها درجة الدكتوراه في الأدب. عين وزيرا مفوضا لمصر في المملكة ثم نقل إلى باكستان، وأعيد سفيراً لدى المملكة ثم أحيل إلى التقاعد، فكلفته المملكة بإنشاء جامعة الملك سعود في الرياض فأنشأها، توفي في الرياض سنة 1378هـ. (الزركلي: الأعلام، ج4، ص 186).

(17) الشريف: مرجع سابق، ج4، ص ص 1313-1316.

(18) حسين مؤنس: مؤرخ مصري مشهور، وأديب له عدة مصنفات نافعة، توفي في 17 مارس 1966م. (الشرف: مصدر سابق، ج4، ص 1339، الحاشية).

(19) الشريف: المرجع السابق، ج4، ص ص 1349-1350.

ص.ب (226829) الرياض (11324)


maljahdali@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد