أهداني الباحث الأستاذ محمد بن صالح البليهشي الطبعة الثانية من كتابه: (وادي الفرع)، فألفيته بحثاً قيماً وعملاً متميزاً، تمثل في تلك الطبعة الجديدة التي بذل المؤلف جهداً واضحاً في تنقيحها ومراجعتها إضافة إلى ما بذله في الطبعة الأولى من جهد متميز لا يختلف عن المنهج البحثي الرصين الذي درج عليه الأستاذ البليهشي في مؤلفاته السابقة.
ولا غرو في ذلك فالمؤلف له باع طويل في الكتابة والبحث في جغرافية وتاريخ منطقة المدينة المنورة، فقد سبق أن صدر له عدة مؤلفات من أهمها: المدينة اليوم صدر سنة 1402هـ، وكتاب المدينة المنورة صدر سنة 1408هـ، وكتاب بدر صدر سنة 1413هـ.
كما أنه صحفي مخضرم مارس الصحافة منذ سنة 1388هـ، فضلاً عن شغله لوظيفة مدير جريدة الندوة في المدينة منذ أكثر من 20 عاماً. وفوق ذلك فهو أحد رجال التعليم في المدينة المنورة، وأحد الأعضاء النشيطين في نادي المدينة الأدبي منذ سنة 1400هـ ولا يزال. وأعود للكتاب المذكور الذي يعد مرجعاً تاريخياً لمنطقة وادي الفرع التي هي مسقط رأس المؤلف.. وفي مقدمته يعرف المؤلف بمنطقة وادي الفرع، فيقول: إنها منطقة وادي الفرع ذات التاريخ الموغل في القدم والحضارات المتعاقبة بحكم موقعها بين المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة، حيث شهدت جبالها ووهادها قوافل الحجاج وهي تعبر (الطريق الفرعي) الذي يسير عبر هذا الوادي غادية ورائحة من مكة إلى المدينة المنورة، ومن المدينة إلى مكة المكرمة.. والطريق الفرعي يعد الطريق الثاني بعد الطريق السلطاني الذي كان يسير عبر أم البرك إلى المسيجيد فالمدينة.. وقد امتاز الطريق الفرعي في ذلك الزمان بوفرة مياهه، وكثرة زروعه، وجريان عيونه، وأمان مسالكه، ولذلك لعب وادي الفرع دوراً في مجال النقل والتموين لأسواق المدينة ورابغ وجدة ومكة المكرمة.
كان هذا في أزمان سابقة وفي أزمان سحيقة، تذكر كتب التاريخ أن الفرع أول قرية جلبت التمر إلى مكة المكرمة عندما استقر إسماعيل عليه السلام وأمه فيها، وهذا دليل على أن (الفرع) كان ذا عطاء وفير في زروعه وخيراته منذ ذلك الزمان وقبله.. وفي بداية الدعوة المحمدية في السنة الثالثة من الهجرة شهد وادي الفرع الجيش المحمدي بقيادة نبي الأمة صلى الله عليه وسلم يعبر في غزوة بَحران التي سميت كذلك بغزوة الفرع.
وفي عهود الخلفاء الراشدين والدولة الأموية والعباسية حظيت مناطق وادي الفرع باهتمام بعض الصحابة والتابعين يتملكون ويزرعون، ويجرون العيون ويبنون الفلجان والقنوات، وفي عهود لاحقة كان لوادي الفرع دور بارز في أحداث المنطقة وظروف الحياة فيها بحكم موقعه وطول مساحته وتعدد قراه وقبائله.
وقد قسم المؤلف كتابه إلى الأبواب التالية:
- الباب الأول: منطقة وادي الفرع، موقعها، ومساحتها. وفي هذا الباب تحدث المؤلف عن موقع وادي الفرع وحدوده، وتاريخه في صدر الإسلام، وأخبار الصحابة والتابعين فيه، ومحطات الطريق الفرعي قديماً، ووادي الفرع في بعض رحلات الحج.
- الباب الثاني: وادي الفرع وقبيلة بني عمرو الحربية: وتحدث فيه عن سكان وادي الفرع، وعن بعض الوقائع التاريخية التي جرت في المنطقة.
- الباب الثالث: وتحدث فيه بإسهاب عن أشهر التجمعات الحضرية في وادي الفرع.
- الباب الرابع: وتحدث فيه المؤلف عن التنظيمات المحلية لإدارة شؤون الحياة اليومية في منطقة وادي الفرع قبل العهد السعودي الزاهر.
ويعد هذا الباب من أهم أبواب الكتاب لأنه يتناول بشكل موثق أدق تفاصيل الحياة في المنطقة خلال القرون الماضية.
- الباب الخامس: معالم لها ارتباط بمنطقة وادي الفرع: وهذا الباب فيه تعريف جيد لأهم المعالم الجغرافية المحيطة بالوادي مع تحديد مواقعها بدقة واستعراض ما قيل عنها في مؤلفات المتقدمين.
- الباب السادس: التنظيمات المحلية لإدارة مياه العيون في منطقة وادي الفرع.
- الباب السابع: النخلة في وادي الفرع.
- الباب الثامن: الحياة الإنسانية والاجتماعية في وادي الفرع، وصف فيها البيوت والنباتات الطبيعية، والكائنات الحية، ومظاهر الحياة الاجتماعية.
- الباب التاسع: وادي الفرع في عيون الشعراء.
- الباب العاشر: مصطلحات وردت في الوثائق.
ويتميز الكتاب بالاعتماد على وثائق محلية لا تؤكد صحة المعلومات فقط، بل تصور تفاصيل الحياة الاجتماعية والسياسية بدقة ووضوح ومصداقية.
كما يتميز الكتاب فيما يقدمه من معلومات غزيرة ومهمة ومفصلة عن المنطقة وتاريخها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، مما يجعل الكتاب ذا قيمة علمية وتوثيقية عالية لا يستغني عنها باحث في تاريخ الحجاز خصوصاً والجزيرة العربية عموماً، وختاماً؛ فإنني أتساءل أما آن لهذا المربي والباحث والأديب الذي عمل بصمت وبعيداً عن أضواء الإعلام لأكثر من 30 سنة، أما آن له أن يكرّم؟ لماذا لا يتم تكريمه وهو الذي كثيراً ما وقف خلف تكريم الآخرين واحتفى بالمبدعين وشجع المتميزين؟ أجزم أن هذا الباحث والكاتب لم ينل حقه من التكريم ورد الجميل.. ولكن على من يقع التقصير؟ أهو على نادي المدينة الأدبي؟ أم على وزارة التربية والتعليم؟ أم علينا معشر أصدقائه ومحبيه، أم على الجميع؟..