4- وجاء عنده في المسألة 540 فقال: إذا وقف قبل الزوال: أجزأه وعليه دم، وتوضيحاً في الهامش والتحقيق: لأن الوقوف بعرفة ركن، والركن لا يتم الحج إلا به، إجماعاً، لقوله صلى الله عليه وسلم (الحج عرفة) فمن جاء قبل صلاة الفجر، ليلة جمع، فقد تم حجه، ينظر (أبو داود في سننه 1: 451، وابن ماجه 2: 1003).
ومع اتفاقهم على هذا، اختلفوا في الوقت المجزئ، ولكنهم اتفقوا على أنه إذا وقف بعد الزوال
أجزأه ولا شيء عليه. لأن وقت الوقوف، من طلوع الفجر، يوم عرفة، إلى طلوع الفجر يوم النحر، ولكن إذا وقف نهاراً، ودفع منها، قبل الزوال، فقد حدث خلاف بين الفقهاء على قولين:
الأول: أن من وقف بعرفة، ودفع قبل الزوال أجزأه وعليه دم، لأنه واجب لا يفسد الحج بفواته، فلم يوجب البدنة، كالاحرام من دون الميقات، ذهب إلى ذلك الحنابلة (المغنى 5: 273). وجاء في الواضح، (2: 238): فإن دفع قبل الغروب فحجه صحيح، في قول جماعة من الفقهاء، لأنه وقف في زمن الوقوف، فأجزأه كالليل، وعلى من دفع قبل الغروب دم، في قول: أكثر أهل العلم، لأنه لا يفسد الحج بفواته، فأشبه دم الإحرام قبل الميقات.
القول الثاني: أن من دفع قبل الزوال فسد حجه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (وقف بعرفة وقال: خذوا عني مناسككم) فكان بياناً لأول الوقت، وقال صلى الله عليه وسلم (من أدرك عرفة فقد أدرك الحج، ومن فاتته عرفة فاته الحج). وهذا بيان آخر الوقت، فدل على أن الوقت يبقى، ببقاء الليل، ويفوته بفواته، (ينظر بدائع الصنائع 3: 1095)، وعند العكبري المحققة (1: 428 - 829).
5- أما المسألة 544، فهي لمن دخل مكة محلاً، فإنه يلزمه الإحرام منها، بالحج أو غيره، ورأي الحنابلة، يلزمه الاحرام منها، فإن حج من سنته، سقط عنه بذلك حجة الإسلام، إن كانت عليه، ويكون عليه دم لمجاوزته الميقات محلاً، خلافاً لمالك والشافعي، لأنه قد لزمه الإحرام، فوجب عليه الإحرام، فوجب عليه القضاء، كما لو نذر ذلك.
فالحنابلة الذين مرّ رأيهم، وفيه زيادة (ولكن إذا أخّر الحج في هذه السنة، وجب عليه القضاء لأنه لما أحرم بالحج لزمته حجة الإسلام، إن كانت عليه، كما جاء في الواضح (2: 168): وأهل مكة من مكة بهاء سواء كان مقيماً أو غير مقيم، إن أرادوا الحج أحرموا من مكة، لأن كل من أتى على ميقات، كان ميقاتاً له، فكذلك كل من كان بمكة، فهي ميقاته للحج، وجاء في الحاوي (5: 95)، وأما القسم الثاني: وهو أن يريد دخول مكة، لا للحج ولا للعمرة، فقد اختلف قول الشافعي: فمن أراد دخول مكة، هل يجوز أن يدخلها حلالاً، بغير نسك على قولين:
أحدهما: يجوز أن يدخل بغير نسك، فعلى هذا لا يلزم في الميقات أن يكون محرماً.
والثاني: لا يجوز أن يدخل إلا محرماً بنسك، إما لحج أو لعمرة، فعلى هذا يلزم الإحرام من الميقات، فإن جاوزه غير محرم، نظر في حاله، فإن دخل مكة غير محرم لم يلزمه دم، لأن الدم إنما يجبر نقص النسك، وإن أحرم بعد مجاوزة الميقات، فإن لم يعد إليه محرماً، وجب عليه الدم، لمجاوزة الميقات.
6- وعن المسألة 545، في إدخال العمرة على الحج، فإن هذه محل خلاف بين الفقهاء: فذهب الحنابلة: إلى أنه لو أحرم شخص بنسك، ثم نسيه قبل الطواف، فإن صرفه إلى الحج جاز، لأن المنسي لو كان عمرة، فإنه يجوز إدخال الحج على العمرة قبل الطواف، وإن صرفه إلى إفراد، أو قرانٍ لم يجزئه عن العمرة، إذ من المحتمل أن يكون المنسي حجاً مفرداً، ولا يكون إدخال العمرة على الحج (المغنى 5: 99).
وجاء في الممتع (2: 338) فإن أحرم بنسك ونسيه جعله عمرة، فلأنها أفضل، ولأنه له أن يصرف الإفراد والقِرآن إليها مع العلم.
ولمّا كان له أن يصرفهما مع الإيهام، فصرفهما مع العلم بطريق الأولى.
وقال القاضي: يصرفهما إلى أيهما شاء، لأنه إن صادف ما أحرم به فقد أصاب، لأنه صرفه إلى قِرآن، وكان إحرامه بعمرة، فقد أدخل عليهما الحج وهو جائز، وإن كان مفرداً فقد أدخل العمرة على الحج وهو لغو ولا يفيد.
وذهب الحنفية والشافعي على أحد قوليه، بعكس ما ذهب إليه الحنابلة، جاء في المهذّب (2: 681): فإن أحرم بالعمرة، ثم أدخل عليها الحج، قبل الطواف، جاز ويصير قارناً، وإن أدخل عليها الحج بعد الطواف، لم يجز، وإن أحرم بالحج، وأدخل عليه العمرة، ففيه قولان:
الأول: هل يجوز لأنه أحد النسكين فجاز، إدخاله على الآخر.
والثاني: لا يجوز (يراجع المجموع 7: 166). وينظر العكبري المحقق (1: 431-432).
7- أما المسألة رقم (561، والمسألة 562)، عن صيد الحرم المكي وشجره، فقد اختلف الفقهاء فيهما: هل هو مضمون على الكفاية أم لا؟ على قولين:
الأول: إن شجر الحرم مضمون على الكافة، ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء، فقد جاء في المستوعب (1: 569): ولا يحل للمحرم ولا الحلال، قطع شيء من شجر الحرم ونباته، الذين ينبت بنفسه، لأن ما منع من إتلافه لأجل الحرم، كان مضموناً كالصيد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالحجون: (والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إليّ، ولو لم أخرج منك لما خرجت، لم تجلى لأحد من قبلي، ولن تحلى لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار، لا يعضد شجرها، ولا يحش حشيشها، ولا يصاد صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمنشد) أخرجه الحاكم في المستدرك (3: 489)، والترمذي في الجامع (3: 728). الثاني: أن شجر الحرم غير مضمون على الكافة، ولا جزاء فيه، وإنما فيه الإثم فقط، للنهي الوارد في ذلك، ذهب لذلك المالكية، وداود الظاهري.
وجاء في بداية المجتهد (1: 365): واختلفوا في نبات الحرم هل فيه جزاء أم لا؟ فقال مالك: لا جزاء فيه وإنما فيه الإثم فقط، للنهي الوارد في ذلك.
أم إسماعيل وزمزم
جاء في كتاب بناء الكعبة تحقيق الدكتور عبداللطيف بن دهيش: قال ابن عباس: أول من اتخذ النساء المناطق، من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفى أثرها على ساره، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل عليهما السلام، وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت، وليس في مكة يؤمئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم مضّى منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل وقالت: يا إبراهيم أين تذهب، وتتركننا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء، قالت ذلك ثلاثا مرارا، وجعل لا يلتفت، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيّعنا. ثم رجعت.
وانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية، حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الدعوات -ورفع يديه- فقال:{رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (37)سورة إبراهيم.
فجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء، وعطش ابنها وجاع، وجعلت تنظر ليه يتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل من الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر: هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، وسعت سعي المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، فنظرت هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات، قال صلى الله عليه وسلم: (فذلك سعيُ الناس بينهما). كلما أشرفت على المروة، سمعت، صوتاً، فقالت: صه. تريد نفسها، ثم تسمعت أيضاً فسمعت. فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، يبحث بعقبة -أو قال بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تحوّضه، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف.
وعن ابن عباس: أن رسول الله قال: (يرحم الله أم إسماعيل، ولو تركت زمزم أو قال: لو لم تغرف من الماء، لكانت زمزم عيناً معيناً. فشربت وأرضعت ولدها، وقال لها الملك: لا تخافي من الضيعة، فإن ها هنا بيت الله، يبني هذا الغلام وأبوه، وأن الله لا يضيع أهله (بناء الكعبة البيت الحرام ص 76-77).