تدل المصادر التاريخية بمختلف صورها أن الملك عبدالعزيز -رحمه الله- أولى الحرمين الشريفين بشكل عام والحرم المكي بشكل خاص عناية تامة منذ أن تشرف -رحمه الله- بحمل أمانة رعاية المسلمين في الحرمين الشريفين وخدمتهما بعد ضم الحجاز واكتمال مسيرة التوحيد التي قادها وخاض غمارها بنفسه.
وحيث لا يتسع المجال في مثل هذه المقالات للخوض في تفصيلات ما قام به الملك عبدالعزيز من أعمال وإصلاحات جليلة في الحرم المكي، ناهيك عن التفصيل في أعماله في الحرمين فستكفي هذه المقالة، بحكم ما خصص لها من مساحة محدودة للحديث عن بعض الملامح من بعض ما قام فيه -رحمه الله- من أعمال وخدمات جليلة قدمها للحرم المكي الشريف، ونرجئ الحديث عن عنايته بالحرم المدني إلى مقالة لاحقة بإذن الله.
فأما عن خدمته للحرم المكي فنوجز القول فيها ونذكر أنه رحمه الله قد أولى هذا الحرم الشريف جل عنايته ورعايته منذ أن وطئت قدماه الأرض المباركة، مكة المكرمة واستمر على ذلك النهج إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى.
ومن النماذج التاريخية المبكرة عن ذلك ما أورده الشيخ إبراهيم بن عبيد في تذكرة أولي النهى من أنه في عام 1344هـ وبمجرد استقرار الأوضاع في الحجاز بعد ضمه لحكم الملك عبدالعزيز، بادر رحمه الله بعمل الإصلاحات والترميمات اللازمة حين أصدر أمره إلى مدير الأوقاف محمد سعيد بالخير (بترميم عموم الخراب الواقع في جدار المسجد وأرشه وأعمدته وإصلاح المماشي وحاشية المطاف وعموم الأبواب وطلاء مقام إبراهيم الخليل عليه السلام بالدهان الأخضر وكذلك الأساطين النحاسية الواقعة حوالي المطاف وغير ذلك من الإصلاحات اللازمة للمسجد الحرام)، وتمت هذه العمارة بكامل السرعة لحلول موسم الحج 1344هـ، فشكر الله سعيه على هذا العمل الحسن وكم له من أمثاله من أعمال الخير.وفي العام الذي يليه عمل الملك عبدالعزيز سبيلاً للشاربين من ماء زمزم بثلاث نوافذ على ارتفاع قامة الواقف إلى صدره فكان في ذلك راحة للشاربين وفي الوقت نفسه أمر الملك عبدالعزيز بتجديد عمارة السبيل القديم وعمله بشكل بديع يماثل الذي بجواره وزاد -رحمه الله- على كل ذلك أن أمر بأن يرصف شارع المسعى من الصفا إلى المروة فشكلت لذلك هيئة تضم عدداً من كبار أهل الخبرة والدراية وقررت الهيئة (أن يكون فرش المسعى بالحجر الصوان المربع وأن يبنى بالنورة، فابتدأ العمل أولاً بهدم عموم النواتي التي على ضفتي شارع المسعى من مبتداه إلى منتهاه... واستمر العمل بهمة عالية وانتهى في أواخر ذي القعدة من هذه السنة فأصبح شارع المسعى في غاية الاستقامة وحسن المنظر وصار المطوفون بين الصفا والمروة يؤدون نسكهم بكمال الراحة من وحل الشارع والغبار.
ويؤكد ابن عبيد أن ما قام به الملك عبدالعزيز من رصف للمسعى هو الأول من نوعه عبر التاريخ الطويل للحرم الشريف.ومما يسجل للملك عبدالعزيز في ذلك العام أمره - رحمه الله- بإبطال ما كان قائماً في المسجد الحرام من تعدد الجماعات على المذاهب المختلفة، وأمره باجتماع المسلمين على إمام واحد وهذا من الأعمال الجليلة التي تسجل للملك عبدالعزيز حيث استطاع بهذا الأمر أن يقضي على ما كان سائداً في المجتمع المكي وغيره من المجتمعات الإسلامية الأخرى نتيجة التتبع المبالغ فيه من بعضهم للمذهب دون قبول للمذاهب الأخرى.
كما يحمد للملك عبدالعزيز أمره في العام نفسه بتجهيز كسوة الكعبة المشرفة في مكة المكرمة بعد أن تفاجأ المسلمون وقبيل اقتراب موسم الحج بامتناع الحكومة المصرية آنذاك ونتيجة لبعض المواقف السياسية عن إرسال الكسوة المعتادة للكعبة.
ونتيجة للهمة العالية من الملك عبدالعزيز ورجاله سارع رجال العمل ممن تخصصوا لهذا الأمر وبمتابعة مباشرة من وزير المالية عبدالله بن سليمان بن حمدان بعمل (كسوة من الجوخ الأسود الفاخر مبطنة بالقلع القوي وعمل حزام الكعبة بآلة التطريز وكتبت الآيات عليه بالقصب الفضية المموهة بالذهب الوهاج مع ستارة الباب (البرقع) ولم يأت اليوم الموعود لكسوة الكعبة وهو يوم النحر 1 ذي الحجة إلا والكعبة المعظمة لابسة تلك الكسوة التي عملت في بضعة أيام.
ويبدو أن نجاح العمل في تجهيز الكسوة داخل مكة المكرمة، والحرص على استقلالية الدولة في قراراتها وإبعادها عن أن تكون تحت رحمة غيرها من الدول جعل الملك عبدالعزيز يفكر جديا في تأسيس دار خاصة للكسوة، وهو ما جرى في عام 1346هـ فاعتبرت هذه الدار أول دار أسست خصيصاً لحياكة كسوة الكعبة المعظمة بمكة المكرمة في عصر جلالة الملك عبدالعزيز.
وكانت التجربة ناجحة، حيث ألبست الكعبة كسوتها كالمعتاد في يوم النحر من كل عام، ولكن هذه المرة بكسوة مصنوعة في دار خاصة لها، وقد كتب على تلك الكسوة في ذلك العام:
هذه الكسوة صنعت في مكة المباركة المعظمة بأمر خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية أيده الله تعالى بنصره سنة 1346هـ على صاحبها أفضل التحية وأتم التسليم.
وكان الملك عبدالعزيز - رحمه الله- قد أمر في تلك السنة بإجراء العديد من الترميمات والزيادات على مباني الحرم المكي شملت فرش عموم أروقة الحرم من جهاته الأربع والزيادات وعموم المماشي بالحجر، وإصلاح الأبواب وطلائها وطلاء جدران الحرم وأعمدته، وغير ذلك من الإصلاحات والترميمات التي أعادت للحرم رونقه وبريقه.
وكان ذلك العمل قد استغرق حوالي عاماً كاملاً، حيث ابتدأ في جمادى الأولى من عام 1346هـ واستمر إلى نهاية ربيع الثاني من السنة التالية.
وقد صرف جلالة الملك على ذلك العمل ما يزيد على ألفي جنيه من الذهب، وهو مبلغ كبير قياساً بمستوى المعيشة والاقتصاد آنذاك.
وفي شعبان من عام 1347هـ أمر الملك عبدالعزيز بتجديد الإضاءة في المسجد الحرام وزيادتها حتى بلغت ألف لمبة، ولم يصل شهر رمضان حتى صار المسجد الحرام مضاء عمومه بالكهرباء، وكانت الإضاءة تعتمد على ماكينتين كبيرة تستخدم في وقت الذروة، وصغيرة في آخر الليل إلى قبيل الفجر، ومع ازدياد الحاجة أمر الملك عبدالعزيز بإضافة ماكينة ثالثة في عام 1349هـ مع إضافة المزيد من المصابيح للإضاءة.
وفي عام 1352هـ صدر أمره -رحمه الله- بتركيب ساعة كبيرة بارتفاع خمسة وعشرين متراً بجانب المسجد الحرام، وكانت تعد أول ساعة وجدت في الحجاز بهذه الصفة والضخامة والضبط والقوة والبهاء، كما كانت آنذاك هي الساعة الرئيسة للمسجد الحرام التي يعتمد عليها في التوقيت.
كما أتبع -رحمه الله- ذلك في السنة التالية بعمل ترميمات وإصلاحات كثيرة في مبنى المسجد الحرام كلفت أكثر من ثلاثة عشر ألف ريالا عربياً سعودياً.وهكذا استمر جلالته يولي الحرم المكي الشريف جل عنايته ولا يتردد عن تقديم ما يحتاج إليه من توسعة أو إصلاحات أو خدمات مختلفة وظل على ذلك النهج طوال ما تبقى من فترة حكمه -يرحمه الله- مما لا يتسع المقام للدخول في بياناته أو تفصيلاته في مثل هذا المقال، ويكفي للتدليل على ذلك الإشارة إلى أن الملك عبدالعزيز كان وراء المشروع السعودي العملاق لتوسعة الحرم المكي الذي أعلن عنه في أواخر عهد الملك عبدالعزيز وشرع في تنفيذه بعد ذلك وبالتحديد في عهد خلفه الملك سعود، فرحمهم الله جميعاً على ما قدموا من خدمات جليلة للإسلام والمسلمين وجعل ذلك في ميزان حسناتهم، وحفظ الله لهذه البلاد حكومة وشعباً شرف خدمة الحرمين وأعانهم عليه، والله ولي التوفيق، وهو المستعان وعليه المتكل.
رئيس قسم التاريخ والحضارة
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية