Al Jazirah NewsPaper Friday  14/12/2007 G Issue 12860
أفاق اسلامية
الجمعة 05 ذو الحجة 1428   العدد  12860
تتجلى فيه جميع أنواع العبادات والمعاملات
الحج.. مدرسة التغيير الشامل في حياة المسلم

كتب - مندوب الجزيرة

الحج تتجلى فيه جميع أنواع العبادات، وفيه الالتزام بمنهج الله، وفوائد كبرى وأسرار لا يعرفها إلا الحاج الذي ودع أهله وترك وطنه وداره وتجرد من كل شيء ملبياً داعي الله لأداء هذا المنسك العظيم، فكيف يستعد الحاج لمناسك الحج؟ وما هو المطلوب منه وهو يحتشد وسط الآلاف من البشر الذين جاؤوا من كل حدب وصوب لأداء الفريضة؟ وكيف يجمع بين عبادة القلب والبدن والمال في هذه الأيام المباركة؟

التقوى.. الزاد الحقيقي

في البداية قال الدكتور عصام بن عبدالمحسن الحميدان أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن: الحج شعيرة الإسلام العظيمة التي تتجلى فيها كل أنواع العبادات القلبية والمالية والبدنية.

ويذهب المسلم ببدنه إلى الحج فيؤدي شعائر الله فيؤجر على مشقته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أجرك على قدر نصَبك) متفقٌ عليه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

إلا أن الأهم من ذلك كله هو عبادة القلب في الحج، وعبادة القلب أو عبادته تظهر في أوجه عدة:

أولها: نيّة الحج، فلا بد أن تكون نية المسلم خالصة لله تعالى لا رياء فيها ولا سمعة، ولا مجاملة ولا مباهاة، والله تعالى أمر أن يكون الحج والعمرة لله، فقال سبحانه: (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) أي لا لغيره، لا نذراً لولي ولا لنبي أو غيرهما، بل يخرج المسلم من بيته لله تعالى قاصداً رضاه وعبادته ونيل مغفرته ورحمته، فعند ذاك تكون عبادته مقبولة، قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)، وقال سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)، قال الفضيل بن عياض رحمه الله: (أَحْسَنُ عَمَلا) أن يكون خالصاً صواباً، فالخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة.

ثانيها: التقوى والتربية القلبية التي تملأ قلب المسلم في الحج، بالقرب من الله تعالى والخوف منه، ورجاءه وتعظيمه وإجلاله، فهذا من أعظم مقاصد الحج، فليس الهدف من الحج التعب والنصب والمشقة فقط بل يجب أن ينضم إليها عبادة القلب بتصفيته من الشوائب والكدر، وتحليته بالتعظيم والتوقير والخشية والخشوع، قال الله تعالى: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ)، فالله تعالى لا يستفيد شيئاً من اللحوم والدماء التي تراق في الحج، ولكن مظهر للطاعة والاستجابة (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)،

وهذا يدعو المسلم إلى أن يتأمل في كل شعيرة من شعائر الحج، يتلمس منها ما يزيده تقى وإنابة، فعندما يلبس الرجل لباس الإحرام يتذكر الكفن، والتخلي عن لباس الدنيا، وكأنه ذاهب ليعيش في الآخرة، قال الحسن البصري رحمه الله: الحج المبرور أن تعود زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة.

وإذا رأى مجمع الناس يتذكر المحشر عندما يجمع الناس من كل جنس ولون ولسان ومكان، وإذا طاف بالبيت يتذكر وحدانية الإسلام ودورانه في فلك الدين في كل أموره، وإذا رمى الجمرات يتذكر عدوه الشيطان الرجيم المرجوم فيرميه بالطاعات والاستعاذة في كل حين، وإذا ذبح الهدي يتذكر أنه يضحي بماله لله تعالى في سبيل الدين.. وهكذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمّه) متفقٌ عليه.

فلابد أن يمسك الإنسان لسانه عن اللغو والرفث في الحج، وإلا فلن يحصل له الأجر العظيم، فالحج دورة إيمانية يدخلها المسلم، ومدرسة يعود منها وقد أحدثت تغييراً في حياته نحو الأفضل والأتقى.

ثالثها: الارتباط القلبي بأنبياء الله عليهم السلام، الذين حجوا هذا البيت قبله، من لدن إبراهيم عليه السلام الذي رفع القواعد من البيت، حتى نبينا صلى الله عليه وسلم، فعندما يطوف بالبيت، أو يؤدي المناسك يشعر بالتاريخ يعيد نفسه في أنحاء مكة شرفها الله كل عام في نفس الشهر، وفي نفس الأيام فيعيش هذه الأوقات الإيمانية مع أنبياء الله عليهم السلام ومع المؤمنين كلّهم منذ أول نداء بالحج قبل آلاف السنين، قال الله تعالى لإبراهيم عليه السلام (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)، فقال: (يا رب كيف يصل صوتي إليهم؟ قال الله تعالى: أنا أبلغهم عنك، فنادى: أيها الناس! إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فلبى كل من كتب الله له الحج إلى يوم القيامة حتى من في أصلاب الرجال: لبيك اللهم لبيك)، رواه الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما.

إنه تاريخ عريق لهذه المناسك يربط أوائل المسلمين بأواخرهم فيورث المسلم وحدة إسلامية وديناً واحداً يشترك فيه كل المسلمين (قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).

القدرة على التحمل والصبر

ويقول الدكتور فهد بن عبدالرحمن اليحيى الأستاذ المشارك بقسم الفقه بجامعة القصيم: من معاني الحج العظيمة أنه يدرب النفس على التحمل والصبر في كل أمر وحال، ولذا جاء في البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: (لكن أفضل الجهاد حج مبرور)، وفي سنن ابن ماجه: (الحج جهاد كل ضعيف)، وحول هذا المعنى استوقفتني بعض الوقفات:

أولاً : إن استشعار الحاج هذا المعنى يحمله على الصبر وامتصاص المواقف الصعبة وتسلية النفس في أحوال المشقة التي لا ينفك عنها الحج في صور وأشكال كثيرة زحام الناس في الطواف والسعي والجمرات وزحام السيارات الذي أصبح أشق بكثير من زحام الأشخاص, لعل الله أن يعجل بفرج من عنده بقطارات الأنفاق والمعلقة وغيرها من الوسائل الكثيرة، والزحام في مواطن المبيت والسكنى وغير ذلك من أنواع المشقة.

ثانياً: إن استشعار هذا المعنى يحمله على درجة أعلى من مجرد التحمل ألا وهي احتساب الأجر عند الله في ذلك وأنه عبادة إذ الحج مجموع تلك الأعمال ومنها ما يعانيه الحاج من مشقة وحينئذ لا عجب أن يتلذذ العارفون بما يصيبهم من كبد العبادة وإن لم يقصدوا تلك المشقة قصداً.

ثالثاً: هذا المعنى من معاني الحج له صلة وقربى بمنع المحرم من الترفه فلو قلبت كتب الفقه في باب الحج فلن تخطى عينيك ذكر الترفه في جملة مما يمنع منه المحرم استقراءً للجامع لكثير من المحظورات كالطيب ولبس الثياب المعتادة ومباشرة النساء وتقليم الأظافر وقص الشعر ونحو ذلك.

فالحج إذاً مدرسة للصبر ومنع النفس مما تعتاده وإذا كانت هذه المحظورات محرمة فقد نص طائفة من الفقهاء على كراهة بعض الأعمال لأنها من الترفه.

وسواء كان قولهم صواباً أم لا فإن من المتفق عليه أن الأفضل للحاج أن يتخفف من كثير من الرفاهية المعتادة ولذا ثبت في سنن ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه قال: حج النبي - صلى الله عليه وسلم - على رحل رث وقطيفة لا تساوي أربعة دراهم ثم قال: (اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة) صححه الألباني.

لقد كان النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم قادراً على أن يركب أنفس الإبل وأن يرحل في أفخر المراكب كيف وهو الذي ساق معه مائة بدنة لينحرها لله تعالى ولكنه بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - لم يشأ إلا أن يكون أنموذجاً للتواضع ومثلاً في التخفف من الدنيا من أجل التفرغ للعبادة.

رابعاً: لقد قصدت أن أعبر بالتخفف لأن الرفاهية وإن كانت في ذاتها راحة فإن التزامها ذو تبعات.

خامساً: حينما نتحدث عن الرفاهية وأن من معاني الحج التخفف منها فلسنا نعني بذلك أن يتعمد الحاج المشقة ويتلمسها فهذا غير مقصود في الشرع بل الشرع جاء بعدم التكلف قال سبحانه عن النبي - صلى الله عليه وسلم-: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}.

وقال عمر رضي الله عنه: (نهينا عن التكلف وجاء في وصف الصحابة رضي الله عنهم: كانوا أبعد شيء عن التكلف، فلا يتكلف المسلم خلال المعتاد والمعروف والوسط لا في الرفاهية ولا في المشقة، ولذا لم يتكلف النبي صلى الله عليه وسلم المشي على قدميه في المشاعر كلها بل مشى وركب بحسب الحال ووقف بعرفات على راحلته ولم يتكلف ظلاً أثناء الوقوف ورمى بعض الجمرات مستظلاً... وهكذا كانت حاله عليه الصلاة والسلام.

سادساً: على ضوء ذلك فإن بعض حملات الحج يمكن وصفها بتكلف الرفاهية وقد شاهدنا من ذلك صنوفاً وألواناً، وما كان ينبغي لهم ذلك، نعم نحن لا ندعو أن نحج في حال كحال السابقين أو حال آبائنا لأن حال العبادة لا تخرج عن حال حياة الناس فإذا وجدت في حياة الناس وسائل راحة فلا ينبغي أن ننأى بالعبادة عنها، وكما تكون منازل الناس وما فيها من وسائل فإن المساجد تكون كذلك دون قصور، ولكن المشاهد لدى بعض الحملات هو المبالغة في بعض الوسائل حتى غدت كما ذكرت سابقاً حملاً يشعر الحاج به ولذا لما زرنا بعض تلك المخيمات سألني بعض الحجاج: هل حجنا كامل مع وسائل الراحة تلك؟

والحج أرجو ألا ينقص بمثل ذلك ولكن لكل شيء حدود.

سابعاً: لئن كان من معاني الحج الصبر والتحمل فإن ذلك ليس قاصراً على المشقة البدنية فحسب بل فيه تربية للنفس على حسن الخلق والتغاضي عن الهفوات وترك الجدال والمماراة قال سبحانه وتعالى:

{فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ}. وقال عليه الصلاة والسلام: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، فالحج اجتماع عظيم لأجناس وأخلاط من الناس ومثل هذا الاجتماع لا يمكن أن يخلو من احتكاك بين الناس لذلك جاء التأكيد على ترك الجدال بل على الحاج في مثل هذه المواطن والأحوال أن يمتص أسباب الخلاف وأن يفرغ شحنات التنافر.

العبادة القلبية

ويقول الشيخ محمود بن محمد الشنقيطي عضو الدعوة والإرشاد بمكة المكرمة، وعضو التوعية الإسلامية في الحج لعلي أركز هنا على أمثلة في كون شعيرة الحج عبادة قلبية وأن لعبودية القلب حظاً أوفر فيها:

أولاً: أن الحج تقوية للإيمان والتوحيد في القلب فنجد في تضاعيف آيات الحج:

{ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}.

وفي شعار الحج، التلبية، يتواطأ القلب مع اللسان في إفراد الله تعالى في النسك بالعبودية وبالتوحيد، بلغة واضحة صريحة (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك).

ثانياً: إن في الحج رافداً وداعياً عظيماً لتقوية وتغذية أسس جانب تجريد المتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في أقواله وأفعاله، وإضعاف نوازغ الابتداع وقيود العوائد وتغلب الأهواء؛ حينما يختار الحاج حجراً على قدر حبة الحمص يضبطها بحصى الخذف؛ وهو ما يرمي به بين الإصبعين، فلا ينقص عنه ولا يزيد ولا يرمي بالطين أو الإسمنت ولا بأية مادة أخرى.

ثالثاً: تقوية رافد التنفير من التشبه بالكفار في الدين ومساوئ الأخلاق، فحينما يتعلم الحاج هدي النبي صلوات الله وسلامه وبركاته، عليه في مخالفة هدي الكفار في مواضع مختلفة في الحج مثل: مخالفته لهم في الإهلال بالعرمة في أشهر الحج وفي التلبية وفي الوقوف في عرفة وفي الدفع من مزدلفة فتقوى عنده كراهية التشبه وتقليد الكفار.

رابعاً: في الحج تعظيمه لشعائر الله عز وجل، والشعائر جمع شعيرة، وهي ما أشعر الله بتعظيمه من مكان وزمان وأناس وكحدوده وأوامره ونواهيه وفرائضهن ففي موضعين من سورة الحج يقول الله تعالى:

{ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ}، وإذا عظمت شعائر الله في القلب امتثلها المكلف واستقام عليها.

خامساً: ومن عبادة القلب في الحج تغذية جانب المسؤولية، وتحمل تبعة الخطأ الذنب والتقصير والمخالفة، وعدم التنصل والتهرب من تبعة ذلك (فمن ترك شيئاً من نسكه فعليه دم... إلخ) وهذا نضج وكمال في الشخصية.

سادساً: تجديد محبة السلف الذين وقفوا مواقف الحج من الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ففي سنن الإمام البيهقي رحمه الله (ما من نبي إلا قصد البيت إلا ما كان من هود وصالح) وهذه المحبة تبعث على الاقتداء والتأسي وخلق إحساس وشعور بأن المسلم هو المتبع الحق والسائر والوارث الحقيقي لملة الحنيفية الحقة.

سابعاً: رؤية نعمة الله ومنه على العبد بأن اختاره ليوقفه في هذا المكان ويعبده بهذه العبادة العظيمة: {وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ}، ورؤية ومشاهدة نعمته عليه في تيسير أداء العبادةن ورحمته في ترشيعها بالتخفيف والتيسير عليه: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} فيؤديه ذلك إلى شكر الله عز وجل وحبه وطاعته ورضاه.

ثامناً: تجدد وتقوية اعتقاد كمال هذه الشريعة بتجديد الوقوف بعرفة، اليوم الذي نزلت فيه آية كمال الدين: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}} فيتجدد اعتقاد المسلم بأن الدين كمل وحفظ، وأن كل تغيير فيه بزيادة أو نقص أو تحريف أو تأويل فهو مردود على صاحبه كائناً من كان.

تاسعاً: تنقية القلب من الكبر والترفع على الناس وتعويد الحاج نفسه على الانكسار والتواضع والذلة للمؤمنين، فيعيش على ذلك أياما عملية، يلبس كما يلبس الناس على اختلاف أحسابهم وأنسابهم وألوانهم وجنسياتهم ويفعل كما يفعلون ويقولون.

عاشراً: إثارة كوامن الشوق إلى التوبة النصوح وملازمة الاستقامة بعد الحج، فاستلام الحجر والركن اليماني فيه معنى أخذ العهد والمبايعة على الطاعة، ورمي الجمار فيه معنى قطع العلاقة مع الشيطان وطاعته والسير في طريقه، قيل للحسن في حديث أبي هريرة في الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الأعمال: إيمان بالله ورسوله ثم جهاد في سبيله، ثم حج مبرور) قيل للحسن البصري ما علامة الحج المبرور الذي جزاؤه الجنة؟ قال علامة وآية ذلك: أن يرجع زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة، ويدع ما كان عليه من العمل.

حادي عشر: يقوي جانب الإيمان بالغيب.

ثاني عشر: تقوية جانب احترام الشعائر وإكرامها، فتقبيل الحجر ومسه ومس الركن اليماني كلها تقوي في القلب احترام هذه الشعائر الاحترام الشرعي فلا يتعبد الله عندها وبها إلا بما شرعه.

ثالث عشر: تذكر واستحضار نشأة الإسلام دين التوحيد والفطرة، في أقدم أماكن نشأته، وإحياء شعائر ملة إبراهيم التي طمستها وشوهتها الجاهلية بوثنيتها فطهرها الله ببعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولده الذي استجاب به دعوته قال تعالى:

{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد