بين الحياة والموت، بين حرارة اللقاء وحرقة الوداع ساعات وأيام وسنوات، تتحول إلى عقود من الزمن، يتكيف فيها الإنسان تبعاً للبيئة وظروف الحياة التي يعيشها. هذه الحياة هي عند سائر الناس شيء وعند سواهم من الشعراء شيء آخر. اقتناص ملذاتها، والنيل من رغائبها قد لا تساوي شيئاً عند الحكماء والفلاسفة.
|
* لم يكن تفاوت الموروث الثقافي، أو اختلاف معطيات تشكيله ذا أثر كبير في نظرة هذا الصنف من البشر، إذ يظل الإنسان واحداً متى تشابهت الظروف التي أسهمت في بناء شخصيته الذاتية والعوامل المؤثرة فيها. قرون من الزمن، وتباين في البيئة والمكان، وتعددٌ في منابع الثقافة، ومع ذلك تحاكي فلسفة الشاعر (ابن لعبون ) فلسفة (أبي العلاء المعري) في تقييمه للحياة حين قال:
|
إن حزناً في ساعة الموت |
أضعاف سرورٍ في ساعة الميلاد |
* يأتي ( ابن لعبون) فيوظف الفلسفة في سياقات أخرى من حياة وجدانية انتابت شخصيته، وأسهمت من غير شك في صنع العبقرية الفذة، ليقول:
|
ضحكتي منك يوم أنك صغير |
ما سوت عبرتي يوم الوداع |
* هكذا هم البشر منهم مَنْ يبني سريراً، ومنهم مَنْ يحفر قبراً، لذا تتضاءل أمامهم زينة الحياة وبهرجها في لحظات، لكنهم لا يلبثون أمام هذا الانهزام والاستسلام سوى أيام معدودات، يعود فيها المكلوم أو المسرور إلى سابق عهده، مسايراً حياة الناس.
|
* لا تستحق الحياة أن يعيش الفرد إحدى هذه التجاذبات، معرضاً عن سواها، إذ بين الحالتين مساحة يفترض أن تسكن فيها النفس الثائرة، وتهدأ فيها الجوارح الجامحة، يعيش الإنسان فيها بعقلانية واتزان، فلا حياة المرح والفرح والسعادة والسرور، ولا حياة الأتراح والأحزان والبكاء والنحيب هي التي تستطيع أن تقودنا إلى التكيُّف الكامل مع المتغيرات.
|
* ما أجمل الحياة لو أدرك من يعيشها أنها كتابٌ فصوله، حب وبغض، وميل ونفور، قوة وضعف، حرية واستعباد، ابتسامة ودموع، جمال وقبح.
|
* ما أجمل حياة الإنسان إذا عاشت بين المتناقضين، إذ كل منهما يعمر النفس بما ينال منها الآخر، ويوقظها عما غفلت، أو تغافلت عنه ساعة.
|
* ما أجمل الحياة إذا أدركنا أن السعادة لا تدوم، وأن الشقاء بلاء وامتحان قد يجلب لك من الخير ما لا تستطيع جلبه بسواه. بالتأكيد استيعاب تناقضات الحياة تجعلنا جميعاً نطمئن، سواء كان نصيبنا منها الإخفاق أو الظفر. إنه الإيمان بالله، والصبر، وتوطين النفس، لا شيء يعدُّ تعزية للقلب البشري سواه.
|
|