Al Jazirah NewsPaper Tuesday  18/12/2007 G Issue 12864
مقـالات
الثلاثاء 09 ذو الحجة 1428   العدد  12864
بين إبداعات السلفيين وإبداعات اللبراليين
د. عبد الرزاق بن حمود الزهراني

شرفت بحضور المحاضرة التي ألقاها الدكتور عبدالله البريدي في نادي الرياض الأدبي مساء الأحد 29 من ذي القعدة 1428هـ وكان موضوعها مثيراً وفيه إبداع في اختيار العنوان والموضوع، حيث كان عن إبداعات السلفيين وإبداعات اللبراليين، وقد كان الحضور جيداً

وإن كان دون المأمول، ويبدو أن المحاضر قد خدم موضوعه جيداً ولكنه حوصر بضيق الوقت وملاحقة عقارب الساعة، فلم يستطع أن يغطي جميع المحاور التي ذكرها في بداية اللقاء، ونتمنى أن تظهر المحاضرة مطبوعة حتى يتمكن القراء من استيعاب تفاصيلها، وموضوعاتها المختلفة، وأول مشكلة اصطدام بها الباحث هي مشكلة التعريف، فمن هو السلفي ومن هو اللبرالي؟ وقد وجد أنه لا توجد تعريفات جامعة مانعة، وأن هناك تعريفات كثيرة لكلا المصطلحين، وتم استعراض تاريخ المصطلحين، السلفية عند العرب والتي بدأ استعمالها كمصطلح في القرن السابع الهجري تقريباً، واللبرالية عند الغربيين والتي بدأ استعمالها كمصطلح في القرن السادس عشر الميلادي تقريباً، وبما أن التعريفات كثيرة وغير واضحة، فقد لجأ الباحث إلى عرض موصفات كل من العقل السلفي والعقل اللبرالي، وتحدث عن الذين مع وضد كل اتجاه، وقال بأن الاتجاه السلفي، اتجاه مقولب، يصدر عن مصدر ومرجعية واحدة، ويتحدث عما يجب أن يكون، ويظن بعض أتباعه أن السلفية هي الدين، أو أنها الفرقة الناجية، وفي المقابل نجد أن الاتجاه اللبرالي اتجاه فيه مرونة، ومتعدد المرجعيات، وقال بأن الاتجاه الأول يؤخذ عليه الشدة والانغلاق، وأن الاتجاه الثاني يؤخذ عليه النقل والتبعية للآخر، ويبدو لي أننا نعيش مرحلة هجمة على الإسلام من محاور عدة، وتعتبر حرب المصطلحات إحدى جبهات تلك الحرب، حيث تم ربط الإسلام بكثير من الصفات السلبية مثل الإرهاب، والتكفير، والتشدد، والانغلاق، وتم تصنيف أبناء المجتمع الواحد إلى فرق تبعاً للمصطلحات المستخدمة، وبدأ التناحر والتباغض والتصارع بين التيارات المختلفة حسب تلك التصنيفات، فهناك المحافظون، وهناك السلفيون، وهناك أهل السنة والجماعة إلى غير ذلك من الجماعات المنتمية إلى الإسلام، وكثير من تلك الجماعات تتصارع فيما بينها، ومن جهة أخرى هناك جماعات تستقي مرجعيتها من الخارج، ويصنفون على أنهم حداثيون، ولبراليون، ومتحررون، ودعاة تبعية، وفي نظري أن تلك المسميات ما هي إلا متاريس وضعت لخلق الفرقة بين أبناء المجتمع الواحد، وفي تصوري أن السلفية ليست واحدة، وإنما هناك سلفيات كثيرة، وكذلك اللبرالية ليست واحدة، وإنما هنالك لبراليات كثيرة، ويبدو لي أن المحك هو المرجعية وكيفية التعامل معها، فكم من شخص ينظر إليه على أنه لبرالي تجده محافظاً على دينه، غيوراً على وطنه وأمته، ولكنه يأنف من التصنيفات ويمقتها، وكم من شخص ينتمي للتيار الآخر، لا تهمه إلا مصلحته الخاصة، وهو أقرب إلى اللبرالية في سلوكه وتصرفاته، وأعتقد أن معظم السعوديين يقعون تحت مظلة الجرس الإحصائي، مسلمون نقيون، قريبون من الفطرة، متسامحون وكرماء إلى غير ذلك من صفات المجتمع السعودي الكريم، وعلى إحدى جهتي مظلة الجرس، تقع مجموعة قليلة جداً تمثل التطرف والغلو والتشدد في الجانب الديني، وفي المقابل أي في الجهة الأخرى من جانبي الجرس تقع فئة قليلة كذلك تمثل التطرف في الدعوة إلى التبعية، والابتعاد عن المرجعية الإسلامية، ومحاولة تقليد النماذج المستوردة، ومع الأسف فإن هاتين الفئتين هما من تسمع أصواتهما لأنهما تحدثان صوتاً وجلبة وصراخاً، وهذا يشبه الطلاب في الفصل، فالغالبية من الطلاب تقع تحت مظلة الجرس، ولكن أكثر المعلمين لا يعرفون إلا الذين يقعون في جهتي الجرس وهما فئة المشاغبين، وفئة المتميزين.

أما موضوع الإبداع فقد ذكر المحاضر أن العرب فقراء فيه وخاصة في العلوم الاجتماعية والعلوم البحتة، وفي تصوري أن الإبداع لا يرتبط باتجاه معين، بالمبدع وتملكه لأدوات الإبداع، ومن أهمها العقل والثقافة والعلم، أما الشروط الموضوعية فهي الشروط المتعلقة بالظروف المحيطة بالمبدع اجتماعياً واقتصاديا وسياسياً فكم من فلاح لو عاش في لندن لكان مثل نيوتن، وآينشتاين وأمثالهم، ولو عاش نيوتن وآينشتاين وأمثالهم في بيئة ذلك الفلاح لأصبحوا فلاحين مثله، ولهذا نجد الكثيرين من العرب يبدعون ويتألقون إذا هاجروا إلى البلاد التي توفر الشروط الموضوعية للإبداع.

إن حرب المصطلحات والتصنيفات تستهلك الوقت والجهد، وتباعد بين أفراد المجتمع، وضررها أكثر من نفعها، ويجب أن نتعامل معها بحكمة وروية، وأن تتسع صدورنا للاختلافات التي لا تمس جوهر الإسلام الذي أعزنا الله به، ومتى ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، والله الموفق.

* أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإمام، رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية فاكس 012283689


zahrani111@yahoo.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد