Al Jazirah NewsPaper Thursday  20/12/2007 G Issue 12866
مقـالات
الخميس 11 ذو الحجة 1428   العدد  12866
الرمح من أول ركزة
نادر بن سالم الكلباني

نحن قوم لا نعترف بما بين الأمور حتى وإن قلنا أو رددنا في عباراتنا ومقالاتنا ما نؤكد به أننا غير ذلك، فإما أن نحب أو نكره، أو نصادق أو نجافي، أو نمدح فوق المعقول أو نذم أيضاً بما دون المعقول، لا توسط في مشاعرنا وعلاقاتنا

وكل ما نسير به أمورنا، وإذا علمنا عن أمر شيئاً لا نتركه ولا نبدله حتى وإن تغيّر أو تبدلت حاله، فأساس ما نحكم به على الأمور ونؤسس عليه قناعاتنا وأفعالنا المترتبة هو هذا العلم الأولي بالشيء أو كما يسمى الانطباع الأولي عن أمر ما، ليبقى معنا لا نغيّره، ونبني عليه كل تعاملاتنا وتقويمنا المستقبلي لكل شيء مهما تغيّرت الظروف.

الذي أطلق المثل الشعبي المعروف (الرمح من أول ركزة) لا بد أنه لم يختبر الحلول الوسطى، ولم تتمازج أفعاله ومشاعره مع ما يفصل بين الغلو والتفريط، فلا فرصة أخرى تعطى لأي فعل قولاً كان أو عملاً، ولا محاولة أخرى تمنح لمن لم يوفق في ركّزة رمحه الأولى، فأسس هذا المثل الحرص في النفوس على أن يكون الفعل الذي تحدثه قوياً جامداً لا يمكن التراجع عنه، فالأمور تُقاس دائماً وتقيم ببداياتها الأولى، وسيستمر حكمنا المستقبلي على هذه الأمور بحسب ما علمنا من بداياتها حتى وإن اختلفت مجريات الأمور عما بدأت به، ولك أن ترى في واقعنا ما يعزِّز ما أقول، فلو أن فلاناً من الناس دخل السجن لجرم ارتكبه، فلن نتخلص مما علمنا عنه حتى وإن أمضى ما بقي من عمره ساجداً لله، أي نعم قد نقول عنه كلاماً حسناً لكننا نبتعد عن التوغل في بناء علاقاتنا معه، وغير هذا كثير استغله كبار التجار لعلمهم أن الاسم الأول وما تولد عنه من انطباع لا يمكن أن يتغيّر حتى وإن تغيَّر المنتج أو جودته، فبيعت أسماء تجارية حققت في بداياتها الانطباع الجيد عنها في نفوسنا بمبالغ خرافية لعلمهم أن تقويمنا وحكمنا لن يتغيّر لأي سبب طالما أننا علمنا عنه في البداية ما روّج بيعه وانتشاره.

ما أريد إيصاله من هذا كله، أن الأمور قد تبدأ بدايات جيدة لكنها لا تنتهي بنفس ما بدأت به والعكس صحيح فقد يبدأ الأمر بما يعيبه ثم يستدرك الأمر ويصحح مساره، وأن الأصل في حقيقة كل أمر ما يحدثه من خير أو شر على الواقع مما يراه ويلمسه الناس لا بما يتولد عنه من انطباع أولى يضخم في عقولنا ولا نستبدله، هذا أولاً، وثانياً أن بين الأمور مساحات قد تحقق أفضل ما نريد، فلا نقصر أفعالنا أو مشاعرنا على أمر ونقيضه، فنقع فيما ننهى غيرنا عنه من غلو وتصلّب في مواقفنا ومشاعرنا، وإن الحياة لا تعتمد في الغالب على البدايات الأولى ففي منطق الحياة البدايات دائماً لا تكون كما يرجى لها، وإن لكل أمر فرصاً أخرى لاستكماله وتصحيحه لا بد أن توضع في اعتباراتنا.. والله المستعان.






 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد