آه كم يشق علينا أن يأتي العيد في هذه السنة ومتعب عيسى ليس بيننا نحن أصدقاءه وأحبته وأقرباءه ورفاق أحرفه الخضراء التي تعبق بعبير الصحراء العليل، نعم لقد لملم (أبو عذاري) أوراقه وقصائده النابضة بالحياة وغادر عالمنا الفاني بعد صراع لا هوادة فيه مع المرض الخبيث، وترك لنا عيسى وعذاري والحب والصفاء وعشق الحياة. ونحن إذ نبكي من القلب كله الشاعر والكاتب والزميل والإنسان؛ لأننا لم نزل نسمع صدى ضحكاته النبيلة تتردد في أنحاء الجزيرة الغراء، حيث عمل طويلاً بها وخرج جيلاً رائعاً من الشعراء الشعبيين المبدعين، وحافظ على تواصله مع زملاء الحرف في كافة أرجاء الخليج العربي.
***
بالرغم من أن الراحل العزيز متعب عيسى العنزي هو من أبناء قبيلتي إلا أنني لم أتعرف عليه إلا وهو في قمة تألقه ومجده الإبداعي، فهو قد أتى إلى الرياض من مدينة (الشملي) ليقدم إبداعاته المبهجة، أما أنا فقد كنت في الكويت أتواصل مع الشعراء والأحبة في المملكة حينما كنت أعمل في جريدة السياسة الكويتية، وذات يوم حمل لي البريد رسالة خاصة من الرياض تحمل في طياتها قصيدة متوهجة وحادّة تتناول أوضاع فئة من قبيلته تعرضوا إلى تعسف إداري مارسه عليها أحد الموظفين، ويذكر لي أنه تعرض للمساءلة القانونية بحجة القذف العلني، ثم تابعت ما يكتبه قلمه الأنيق في الجزيرة المسائية ورأيت فيه شاعراً مميزاً وإنساناً رقيقاً التقيت به فيما بعد، أي في عام 1990م، وتسكعت معه طويلاً وأعجبت برؤيته الرومانسية الوادعة من جهة، وشجاعته الأدبية من جهة أخرى، وقد كان -رحمه الله- كريم النفس واليد والقلب، وعاشقاً أزلياً للجمال والحياة والحق، إلا أن الذي آلمني كثيراً أنه حينما أيقن تماماً من إصابته بمرض السرطان اعتزل الجميع واعتكف في بيته لا يرد على الهاتف أبداً، وبعدما استشري به المرض فقد بصره، إلا أنه لم يفقد بصيرته، فيسأل كل من يزوره عن أدق التفاصيل، وكنت أؤجل زيارته إلى أن ارتحل كالطيف العابر والسيف الباتر، فليرحمه الله، إنه سميع مجيب.