Al Jazirah NewsPaper Thursday  20/12/2007 G Issue 12866
تحقيقات
الخميس 11 ذو الحجة 1428   العدد  12866
أين المحظور في تطبيق التاريخ الميلادي في معاملاتنا؟
الشعائر الدينية تعتمد على التاريخ القمري كالصيام والحج ولكن مسايرة العالم اقتصادياً ومناخياً تحتم التاريخ الميلادي

تحقيق - منيف خضير

بما أننا نحن الدولة الوحيدة في العالم التي تعتمد التاريخ الهجري تاريخاً رسمياً لها... وفي الوقت نفسه فإن المملكة تطبق التاريخ الهجري والميلادي على حد سواء... فهل في ذلك تناقض؟ أم أن الحكمة تقتضي دوماً مسك العصا من المنتصف!

في هذا التحقيق نتساءل هل آن الأوان لتطبيق التاريخ الميلادي في المملكة؟ فالانضمام لمنظمة التجارة العالمية والتواصل مع العالم الآخر والقطاع الخاص كلها أسباب تحتم ذلك، أم أن الأمر يتعلق بما هو أبعد من ذلك حيث الدين والشعائر والشخصية الإسلامية؟

كل ذلك إضافة إلى تتبع التاريخ الميلادي وغيره من الأفكار في هذا التحقيق:

بداية تحدث الباحث هزاع بن عامر أباقرين (ماجستير تربية) فقال عن هذا الموضوع:

بالنسبة للتاريخ الميلادي أو التاريخ الهجري لابد من التوقف عند النقاط التالية قبل إبداء الرأي الشخصي في المسألة، حيث إن العرب لم يعتمدوا في يوم من الأيام على تاريخ رقمي خاص بهم قبل الإسلام على الرغم أنهم قسموا السنة إلى اثني عشر شهراً سموها بأسماء خاصة بها، كان العرب قبل الإسلام يسمون السنوات حسب أبرز حدث فيها كعام الفيل وحرب الفجار وبناء الكعبة وغيرها، وكان العرب يعظمون أشهر من السنة سموها ذا القعدة وذا الحجة ورجب والمحرم، رغم تحايلهم عليها بالنسيء والازدلاف بناء على حاجاتهم وأهوائهم.

وأضاف أبا قرين عن هذا الموضوع قائلاً: بعد مجيء الإسلام استمر الحال على ما هو عليه من حيث حساب السنوات بتسميتها بأبرز حدث فيها إلى ما بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى نهاية خليفته الأول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه- أي لم يكن هنالك تاريخ رقمي لسنوات فنجدهم قد سمو السنوات التي قبل وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالأحداث البارزة فيها كعام الأذن للسنة الأولى وعام الوداع في السنة العاشرة.

في عهد الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- اجتمع بأعيان الصحابة وبعد مشاورات ومداولات اتفق على أن يكون تاريخ الدولة الإسلامية اعتباراً من أبرز أحداثها وهو هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم- الذي بدأت هجرته منذ أواخر شهر صفر ووصل في يوم 12 ربيع الأول ورغم أن اعتبار هذا التاريخ أرجئ إلى بداية شهر المحرم أي بما ينيف عن 67 يوماً قد يكون لمبرر التوافق مع أقرب شهر محرم وهو شهر محرم ليكون في أول السنة تيمناً بتحريم القتال بين الناس فيه، ورغم أن الكثير يؤيد الرجوع إلى اعتبار يوم 12 ربيع الأول هو أول يوم في السنة الهجرية؛ ليكون أقرب للصحة في الأمر.

ورد في القرآن الكريم وفي سورة التوبة قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ} (36) سورة التوبة. ويقول في سورة (البقرة) {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ }، ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (ألا إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان) ونجد هنا إقراراً من الله -سبحانه وتعالى- لعدة الشهور وحسابها وفق الأشهر القمرية أو الهلالية رغم اختلاف مسمياتها أو اتفاقها مع حالها.

قد يلتبس على البعض مسألة التسميات للأشهر القمرية بأنها لا توافق حالها مناخياً أو سلوكياً أو على الأقل أغلبها لا يوافق ذلك، فيرون أن رمضان سمي نسبة إلى الرمضاء وهو حرارة الأرض من شدة حرارة الشمس صيفاً وجمادى نتيجة تجمد المياه من البرودة الشتاء وكم من رمضان وجمادى مرا وليسا على مثل هذه الحال وشعبان الذي سمي لتشعب الناس فيه للقتال وما إلى ذلك مما هو غير مناسب في وقتنا هذا إلا أن هنالك من يقول الأسماء ليست توقيفية عند هذا الخصوص، بل كانت في أزمان تسميتها على هذه الحال فليس الاسم يدل على صاحبه، ومثال بسيط هل من سموه أهله سعيداً وهو شقياً في حياته نقول إنه مادام سعيداً لابد أن يكون كذلك.

الأشهر القمرية

وعن الأشهر القمرية استطرد الباحث أبا قرين وقال: يشدد المسلمون على ضرورة اعتماد الأشهر القمرية والتمسك بها لعدة أسباب منها:

أن الاعتماد على الأحوال السماوية أضبط عن الخطأ لعدم تناولها من قبل أهواء الناس في التدليس أو الالتباس كاعتماد التأريخ بالأحداث، وقد جالسنا وسمعنا العديد من كبار السن الذين لازالوا يحسبون السنوات بالأحداث ونظرنا عظم الأخطاء في أقوالهم.

ارتباط كثير من الأمور الدينية والحياتية على التأريخ القمري كالصيام والإفطار والحج والأضحية وعدد المطلقات والأرامل والرضاع وغيرها مما لا يستقيم حالها ما لم يعتمد على تاريخ دقيق واضح مناسب لكل الفئات من أبناء البادية أو الأرياف والحاضرة والعامة والخاصة والمتعلمين والأميين وليس أنسب من القمر ومنازله في الملاحظة والدقة والصحة.

لو رجعنا لأحوال الأمم الذين كانوا قبلنا لوجدنا أنهم استعملوا التاريخ القمري في حساباتهم، ففي الصين كان لديهم سنة قمرية يسيرون وفقها وعند اليهود في التوراة أن لهم حسابين للسنة أحدهما قمري والآخر شمسي لأعيادهم، والأعياد عندهم تأتي بدرجة ثانية وهذا من الطبيعي لأنها ليست من ضروريات الحياة الأساسية بل من التحسين.

التاريخ ذاكرة الأمة

وعن تمسك الأمم بتاريخها وأبعاد ذلك ثقافياً ودينياً أضاف الباحث هزاع بن عامر أبا قرين وقال: إن التاريخ ليس مجرد تأريخ وإنما هو أمر تتشكل به حياة الأمم لتكون متميزة عن غيرها وهو حق مشروع لكل أمة، إن التاريخ يعتبر ذاكرة أمة تربطها بأعظم حدث مر عليها متمثلاً في هجرة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- المرحلة الفاصلة والانتقالية التي غيرت نظام الحياة.

إن ذاكرة الأمم حاضرة لدى شعوبها ويتمسكون بها وينافحون عنها فالصينيون لهم سنتهم والهنود واليهود والفارسيون كذلك ولا أحد يستكثر عليهم ذلك، بينما نحن أمة إسلامية استكثر ويستكثر علينا ذلك وقد برز ذلك جلياً منذ أيام الاستعمار فقد غير النظام الانتدابي البريطاني على كل من سوريا ولبنان والأردن والعراق التاريخ الهجري إلى التاريخ الجريجوري وفي مصر بعدما تعرضت لحملات التغريب وبلاد المغرب العربي وفي تركيا العديد من المسلمين ممن سبقونا وكانوا أحرص منا على الاستفادة من غيرهم كانوا لا يرمزون بحرف الهاء في ذيل التاريخ لقولهم لا نعرف لنا تاريخ سواه.

وأضاف أباقرين في بحثه عن التاريخ الميلادي قائلاً: التاريخ الذي يسمى ميلادي الآن كان معروفاً لدى الرومان منذ ما لا يقل عن 750 عاماً قبل ميلاد سيدنا المسيح -عليه السلام- والذي كان في بدايته قمرياً يتألف من عشرة أشهر ثم أضيف له شهرا يناير وفبراير وأصبحت السنة تتألف من 355 يوماً ومع مرور السنوات تغيرت الفصول المناخية مما حدا بالإمبراطور الروماني (يوليوس قيصر) إلى تغيير التاريخ القمري إلى تاريخ يعتمد على حركة الشمس عندها بدأ التغير من التاريخ القمري السابق إلى التاريخ الشمسي المسمى اليولياني نسبة إلى يوليوس وبقي استعماله عند بعض الشعوب قبل وبعد ميلاد المسيح -عليه السلام- وبعد مولد سيدنا المسيح وفي القرن السادس أو الثامن بعد مولد المسيح -عليه السلام- تم إعادة احتساب التاريخ الشمسي ليكون 1- يناير وهو يوم ختان المسيح -عليه السلام- بالرغم أن مولده كان في 25- ديسمبر، وقد استمر العمل بهذا التاريخ إلى العهد البابا (جوريجوري الثالث عشر) الذي قام بتعديلات على التاريخ اليولياني لتلافي الأخطاء فيه وهو عدم مطابقة السنة الحسابية (الميلادية) للسنة الشمسية بفارق وقدره (11) دقيقة و(40) ثانية.

لا علاقة له بالتبعية

طرحنا هذا السؤال على عدد من المهتمين:

هل تؤيد تطبيق التاريخ الميلادي في المملكة؟ وكيف ترد على من يرى في ذلك تبعية للغرب؟

الإعلامي خالد الحسينان (جريدة الاقتصادية) يقول:

أنا ممن يؤيدون السير وفق التاريخ الميلادي نظراً لدوره في تنظيم العديد من التعاملات الحياتية وتحقيقه مبدأ العدالة المالية والاجتماعية مع أهمية العناية بالتاريخ الهجري بحيث يتم إدراجه في كافة التعاملات دون أن يكون هو الأساس، عدا في المواسم الدينية فهذه لا يمكن أن تتم إلا وفق التاريخ الهجري، والباعث على إدراجه هو مكانته الشرعية والحضارية التي يجب أن نحفظها له دون أن تكون عائقاً لنا في تسيير شئوننا اليومية مثل استخدام البرامج الحاسوبية في الأنظمة الإدارية كضبط الدوام والحسابات وغيرها.

ومن وجهة نظري فإنه لا علاقة لهذا الأمر بأي تبعية للغرب أو الشرق لأنه رقم لليوم يتم من خلاله ضبط شأننا اليومي ومثله في ذلك مثل رقم الهاتف أو لوحة السيارة أو الأرقام العربية والإنجليزية وإن كان المقصود هو المسميات فإن للأشهر الميلادية أسماء عربية تغني عن القول بأنها ترجمة لمسميات الأشهر بالإنجليزية... وبالطبع فإن هذا الحديث وهذه الرؤية تأتي بعد حسم الجدل من جانب علماء الشريعة والمجامع الفقهية بجواز استخدام هذه الشهور (الميلادية) وذلك بعد توضيح جميع الملابسات والمشكلات الناشئة عن عدم توحيد تاريخ أيامنا بالتاريخ المتبع عالمياً.

ارتباطنا بالعالم

محمد سليمان المسطحي (معلم) يقول: نعم أؤيد تطبيقه وذلك لعدة أسباب:

أولاً: كان أولها وهو ارتباط المملكة بمنظمة التجارة العالمية الأمر الذي حتم عليها التعامل مع جميع البنوك ووزارات التجارة العالمية استخدام هذا التاريخ.

ثانياً: لا ننس أهميته في مواعيد زراعة المحاصيل وحصادها . أيضاً أهميته في معرفة دخول الفصول الأربعة، ويضيف ولا أرى في تطبيقه تبعية للغرب؛ فالتاريخ الهجري بدئ به بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أي عمل به في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - كما أنه لم يرد حديث عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو أحد صحابته أو التابعين يحث عليه.

أما ضميد الدوسري (مشرف تربوي) فقال: أعتقد أن المملكة تستخدم التاريخ الهجري والميلادي رسمياً على حد سواء، فلو نظرنا إلى الميزانية العامة للدولة والاتفاقات الدولية وبدء الدراسة وانتهائها وما إلى ذلك لوجدنا أن التاريخ المستخدم هو التاريخ الميلادي، ولو نظرنا إلى رواتب موظفي الدولة وإجازاتهم والتقاعد وما إلى ذلك لوجدنا أن التاريخ المستخدم هو التاريخ الهجري.

ولكن ما ألاحظه هو اقتصار معرفة التاريخ الميلادي على فئة معينة من المجتمع وعدم انتشاره على المستوى الشعبي ولذلك يصطدم المواطن بواقع استخدام التاريخ الميلادي في جميع دول العالم عند خروجه من المملكة، فالتاريخ الهجري هو المعروف شعبياً وذلك لأهميته الإسلامية فبمعرفته يبدأ الصيام والحج وغيرها من الشعائر الإسلامية ولذا فمن الضروري معرفة التاريخ الهجري والميلادي على حد سواء وعدم تهميش أحدهما على حساب الآخر.

تاريخ شمسي وليس ميلادياً

محمد النايف (موظف قطاع خاص) يؤيد تطبيق التاريخ الميلادي ويقول: نعم وبشده، وأضاف مبدياً اعتراضه على مسمى التاريخ الميلادي وقال: بل المفروض أن نقول تاريخ شمسي لأنه يكون حسب السنة الشمسية والتي عدد أيامها 365.25 وليس ميلادياً نسبه إلى ميلاد سيدنا المسيح عيسى والتاريخ الآخر هو قمري وليس هجري لأنه يعتمد على السنة القمرية والتي عدد أيامها 354 أو 355 يوم. ويضيف مبرراً أسباب تأييده للتاريخ الميلادي قائلاً:

بدأ استخدام التاريخ القمري (الهجري) بعد 17 عاماً من هجرة الرسول في عهد سيدنا عمر بن الخطاب وليس بعهد الرسول والذي توفاه الله بعد 11 عاماً من الهجرة، ويقول الله عز وجل في محكم كتابه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} (5) سورة يونس، عليه فمن الممكن أن نستخدم التاريخ الشمسي مثله مثل التاريخ القمري في تنظيم أمور الحياة والدنيا.

ويجب أن نعرف أن استخدام التاريخ الشمسي ضمن أمور معينه وبالذات الأمور المستقبلية مثل تحديد مواعيد للمرضى بالمستشفيات وخاصة التي تكون بعد مدة طويلة أشهر أو سنين.

ثم إن استخدام التاريخ الشمسي لا علاقة له بالعبادات والشعائر الإسلامية المتعلقة بالأشهر القمرية كالصوم والحج مثلاً، فتلك لها مواقيت حددها الشرع حسب الأشهر القمرية وإن كان يحدث هناك اختلاف في تحديد أول أيام العيد مثلا فهذا ناتج عن غياب الخليفة الذي يوحد الأمة الإسلامية، كما أنه ناتج عن الفرقة والتشرذم التي وصلت إليها أمة الإسلام وتلك مسألة يمكن حلها ببساطة وهو إسناد الأمر إلى قطر معين لإعلان غرة كل شهر قمري تتبعه بعدها كل الأقطار العربية والإسلامية فينتهي الخلاف، والمملكة هي خير من يقوم بهذا الدور لأنها قبلة المسلمين.

وختم محمد النايف مشيراً إلى أنه ليس هناك أي تبعية بتطبيق التاريخ الشمسي للغرب، بل بالعكس أنا استخدم أي أمر أو أي مخترع أو مكتشف بما يحقق لي الفائدة سواء على المستوى الفردي أو على مستوى الدولة، وما هو الضرر من تطبيق التاريخ الشمسي بأمور معينة حياتية كما سبق وذكرتها تعتمد على ثبات التاريخ بالمستقبل.

نحن الوحيدون بالعالم

عبدالرحمن عليان الحضري (إعلامي) تحدث عن هذا الموضوع قائلاً:

تكاد تكون المملكة العربية السعودية الدولة الوحيدة في العالم التي تعتمد التقويم الهجري كتقويم رسمي للدولة على المستويين الرسمي والشعبي، والتقويم الهجري أو التقويم القمري كما هو معروف أنه تقويم يعتمد على دورة القمر لتحديد الأشهر، وهو الأنسب للمسلمين من حيث تحديد المناسبات الدينية كدخول شهر رمضان في الشهر التاسع، والحج في شهر ذي الحجة الثاني عشر، والعيدين.. ولا يقتصر الأمر على المناسبات الإسلامية الكبيرة، بل هناك من السنن ما يعتمد اعتماداً كلياً على الأشهر القمرية ومنها على سبيل المثال صيام الأيام البيض وهي أيام 13، 14، 15 من كل شهر قمري، وقد روى أبو ذرّ -رضي الله عنه- أن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال له: (يا أبا ذر، إذا صمت من الشّهر ثلاثة أيّام، فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة). رواه ابن حبان وغيره، وهناك أيضا يوم عاشوراء وستة شوال وغيرها. وقد سميت الأشهر القمرية بأسمائها تبعاً لما وقع وقت التسمية كالربيعين، إلا أن وقت المناسبة الآن لا يدل عليها فقد يجيء الربيع في ذي القعدة أو ذي الحجة، وقد نصوم رمضان صيفاً وقد يأتي شهر الصوم في الشتاء وهكذا.

فهل إن طبقنا التقويم الميلادي ننسلخ من قيمنا الدينية والسنن التي وردت عن نبي الهدى صلوات الله وسلامه عليه؟

إن للتاريخ الميلادي ثبات في المواسم دخولها وخروجها، وبالتالي ثبات دخول الشتاء والربيع والصيف والخريف الثابتة أصلاً، ولكن ستكون الفصول الأربعة معروفةً على نطاق واسع إن تم استخدام التقويم الميلادي كتقويم رسمي؛ بحيث يعلم الجميع أن شهر يناير من أشهر الشتاء، ومارس من أشهر الربيع... الخ، وهكذا تبقى ثابتة لا تتغير، ومن ذلك أيضا معرفة دخول الوسم وخروجه.

وفيه أيضا حساب دقيق للأعمار، حتى إن البدو الأميين يحسبون الأعمار بالطريقة البدائية التي تعتمد على التقويم الميلادي فيذكرون مواطنهم التي حلوا بها من كل عام فهذه سنة كذا وتلك سنة كذا حتى يصلوا إلى العمر الحقيقي.

القطاع الخاص له ظروفه الخاصة

وأضاف الحضري: والتربويون وأولياء الأمور والطلاب يعلمون أن الأول من سبتمبر هو بدء العام الدراسي من كل عام وقد يتأخر أو يتقدم يوم أو يومان بحسب عطلة نهاية الأسبوع فقط، وفيه كذلك موافقة لجميع دول العالم، وذاك ما دعا القطاع الخاص الأشهر في المملكة إلى اعتماد التاريخ الميلادي كالبنوك وشركة الاتصالات السعودية وغيرها.

على الصعيد الشخصي لا أرى ما يمنع استخدام التاريخ الميلادي وفق ضوابط معينة تبقي للمملكة العربية السعودية خصوصيتها كدولة حاضنة للحرمين الشريفين الذين لابد لهما من استخدام التقويم الهجري لمعرفة المواسم الدينية والسنن المحمدية، لأن استخدام التقويم الميلادي على الإطلاق قد تضيع معه معرفة أمور مهمة سبق ذكرها هنا، إلا أننا لا يمكن أن نكون متفردين منعزلين باستخدام التاريخ الهجري فقط، بل أرى ضرورة استخدام التقويمين بالتوازي بحيث يكون التقويم الميلادي ملزماً للقطاع الخاص، ومعه وزارة التربية والتعليم؛ فلا بد لطلابنا وطالباتنا من معرفة التقويم الميلادي من خلال التطبيق الفعلي وليس مجرد درس يأتيهم في مرحلة ما يتعرفون فيه على التقويم الميلاد فينسونه بسرعة.

بقي أن نذكر أن السنة الهجرية (القمرية) أكثر من السنة الميلادية بأحد عشر يوماً، وهذا يعني أن رواتب الموظفين في القطاع الحكومي تزيد عن رواتب موظفي القطاع الخاص بأيام الزيادة هذه.

أما خالد المسلم (موظف بنك) فقال: إن من أسباب استخدام البنوك والأعمال المصرفية للتاريخ الميلادي هو الارتباط بالبنوك العالمية ارتباطاً مباشراً من حيث الأعمال المصرفية وثبات التاريخ.. ولا يوجد ضرر من استخدام التقويم الميلادي ما دام أنه تقويم شمسي عالمي ولا يعني ذلك التخلي عن التقويم الهجري أو بمعنى أصح التقويم الإسلامي الذي يترتب عليه معرفة الصلاة وصوم رمضان وشعائر الحج ولا ننس أن الأصل في استخدام التقاويم هو التقويم الهجري وهذا يشمل جميع الدول الإسلامية، ولكن لا مانع من الاستفادة من التقويم الميلادي بصفته تقويماً مساعداً للتقويم الهجري تابعاً له إذا اقتضت الحاجة والمصلحة العامة.

الهجرة النبوية

أما الإذاعي مرزوق العردان (إذاعة الرياض) فلا يؤيد تطبيق التاريخ الميلادي ويقول عن هذا الموضوع: لا أؤيد تطبيقه كتاريخ رسمي معتمد وذلك لأن تطبيق التاريخ الهجري فيه اتباع لسنة المصطفى، حيث إن هجرته -صلى الله عليه وسلم- من أعظم الأحداث التاريخية التي يجب أن نحفظها ونذكر بها دائماً، واستخدام التاريخين على حد سواء كما هو معمول به الآن لا يتعارضان، علماً بأنه يعمل بالتاريخ الميلادي لدى سفارات المملكة في الخارج كما يعمل به في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي توقع عليها المملكة ويعمل به أيضاً مؤسسات القطاع الخاص داخل المملكة.

ويرى العردان أن أهمية التاريخ الهجري تكمن في الأشهر الحرم، وعن فكرة تبعية الغرب في تطبيق التاريخ الميلادي في بلادنا أضاف مرزوق العردان (مذيع في إذاعة الرياض): هذا من اختصاص الفقهاء والعلماء في هذه البلاد ولكن أرى أن التاريخ الميلادي يستخدمه الغرب والشرق وهو تاريخ عالمي ليس معنياً به مجتمع أو بلد أو فئة بعينها.

شعار الأمة الإسلامية

الشيخ نايف بن سالم الضوي (إمام وخطيب جامع) تحدث عن النظرة الشرعية للتاريخين الميلادي والهجري قائلاً: لا شك أن التقويم الهجري الذي يسمى التقويم القمري هو التوجيه الشرعي والمعتبر لدينا كمسلمين في كل الدول الإسلامية، وذلك بعدما حصل الاتفاق بين الصحابة حين جمعهم عمر -رضي الله عنه- فاختاروا هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- موعداً لبداية التقويم، وهو شعار الأمة الإسلامية وله أبعاده ودلالاته الخاصة به، فالتأريخ اليومي يبدأ بغروب الشمس والشهر يبدأ من الهلال والسنوي يبدأ من الهجرة وهذا ما جرى عليه المسلمون وعملوا به واعتبره الفقهاء في كتبهم، ومن الأدلة التي تؤكد مبدأ الأخذ بالتقويم القمري قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}(189) سورة البقرة، وقوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا}(36) سورة التوبة، حيث إن الله وصف التوقيت بالهلال وإن الشهور القمرية إذا بلغت هذا الرقم سميت سنة وهذا معنى عدة الشهور، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته - الهلال - وأفطروا لرؤيته).

لا مانع من تطبيقه بشروط

وأضاف الشيخ الضوي قائلاً: لا مانع من الاستفادة من التقويم الميلادي الذي يسمى التقويم الشمسي بصفته تقويماً مساعداً للتقويم القمري تبعاً له ويذكر بعده خصوصاً حين تكون المصلحة راجحة في ذلك، وأما استبدال التقويم الهجري بالكلية والاستغناء بالتقويم الميلادي وجعله شعاراً للبلد والاعتداد به في احتساب المواقيت والأحوال فهو تشبه صريح بغير المسلمين ولكنه ليس داخلاً في باب الموالاة لأن التقويم الميلادي مرتبط بالديانة النصرانية وهذا واضح من خلال تسمية الشهور فغالبها إما وثنية مرتبطة ببعض آلهة النصارى أو بأسماء القياصرة وكبار الرهبان، وقد جاءت النصوص في تحريم التشبه بالكفار فقال عليه الصلاة والسلام: (من تشبه بقوم فهو منهم).

وأردف قائلاً: وأما ما يتعلق بالفصول الأربعة واستخدامها في تنظيم أمور الدنيا كالاكتساب والمهنة والدراسة والعمل دون ربط ذلك بالسنين كبداية العام ببرج الميزان أو موعد الحصاد ببرج الحمل فهذا من الاستفادة العامة ولا حرج فيها، ومما ينوه به هنا أن السنة الشمسية والسنة القمرية منشأ كل واحد منها هي الظواهر الكونية وعلاقة الأرض بالشمس من جهة، وعلاقة الأرض بالقمر من جهة أخرى فالتاريخ الهجري يقوم على دورة القمر أي يستخدم الأشهر القمرية الطبيعية والسنة الوضعية والتي تتكون من اثني عشر شهراً قمرياً. والتاريخ الميلادي يقوم حركة الشمس السنوية الطبيعية وهي التي تتكون من دورة واحدة للشمس حول الأرض من شتاء إلى شتاء أو من ربيع إلى ربيع ونحوه، ويستخدم هذا التاريخ الأشهر الوضعية وهي تختلف على حسب زيادة أو نقص في الشهر فبعضها ثلاثين يوماً وبعضها أقل وبعضها أكثر.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد