الموت حق وكأس لابد للمرء أن يشربه طال الزمن أو قصر، مرض المرء أو سلم، والعبرة ليست في فقد الصديق والقريب فقط ولكن العبرة كل العبرة في ما يتركه الميت من أثر في النفس تتحرك له القلوب السواكن وتتأثر له النفوس الكوامن، وفقد الخلان والأصحاب له بالغ الأثر في النفس على مر الأزمان وتقلب الأحوال يطفئ لهيب ذلك الإيمان بالقضاء والقدر وأن ما أصاب المرء لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
|
في صبيحة يوم مبارك في قدره عظيم أمره (يوم الجمعة) نعي إلينا خبر وفاة أخينا وحبيبنا الشيخ: إبراهيم بن عبدالعزيز الشبانات (أبو ماهر) إمام وخطيب جامع حوطة سدير في حادث أليم وجسيم، وهكذا الأيام تطوى والمراحل تبلى أحقاً توفي أبو ماهر؟ صاحب الصوت الرخيم والقلب السليم صاحب الدعابة الخفيفة والابتسامة المشرقة، الحقيقة التي لا مناص عنها أنه رحل لدار نحسبها والله حسيبه أنها دار سرور وحبور عند رب كريم غفور.
|
لقد كان لوفاته رحمه الله الوقع الأكبر والخطب الأعظم بين محبيه ومشيعيه ليس إلا لما يحمله رحمه الله من عبر وعظات أعطاها لكل من عرفه حال مرضه وبعد مماته أما حال مرضه فالكل يعلم أنه أعطى الدرس البليغ في كيفية الصبر والرضا بما كتب الله له حيث ابتلي رحمه الله بمرض عانى منه كثيرا فصبر وكافح وعالج بالرقية الشرعية سنوات عدة فما زاده المرض إلا إيمانا وثباتا وصبرا ويقينا؛ تزوره في مرضه فتجد رباطة الجأش تعلو محياه وابتسامته المعهودة لا تفارقه بل كلماته إيمانية وروحه التفاؤلية تشعرك بأنك تقف أمام جبل من الجبال وهامة من رؤوس الرجال الذين صبروا حين البلاء مقتديا بذلك بصفوة الأنبياء وخاتم الأتقياء محمد صلى الله عليه وسلم ومتأسيا بنبي الله أيوب عليه السلام حين ابتلاه الله بالمرض فصبر وظفر، سمع الناس بوفاته فجزم الناس أنه توفي بالمرض الذي طالما لازمه ولكن حكمة الله في خلقه سبحانه اقتضت أن تكون وفاته بحادث أليم لتكون عبرة لمن اعتبر وعظة لمن اتعظ ليكون شاهدا بأن الموت لا يعرف صحيحا أو سقيما أو كبيرا أو صغيراً. مات رحمه الله بحادث بعد أن عافاه الله بالمرض فهل شفاؤه من المرض أزال عنه المنية؟
|
من لم يمت بالسيف مات بغيره
|
تعددت الأسباب والموت واحد
|
مات رحمه الله بعد أن أصابه ما أصابه من المرض الذي يرتجى أن يكون تكفيراً للذنوب والسيئات مصداقا لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما سأله سعدبن أبي وقاص: أي الناس أشد بلاء؟ قال: (الأنبياء ثم الأقل فالأقل، فيبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة) رواه الترمذي وهو صحيح، وفي الحديث الآخر: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط).
|
توفي رحمه الله وترك في الناس دروسا وعبرا وعظات جعلت منه رحمه الله أنموذجا يحتذى به في الصبر والثبات والرضا بقضاء الله وقدره.
|
توفي رحمه الله فضاقت الأزقة والشوارع والجامع بالمصلين والمحبين والمشيعين الذين أحبوه وألفوه فترددت على الألسن ترانيم الدعوات الحارة له بالمغفرة والرحمة لما عرف عنه من كريم السجايا وجزيل الصفات الحسان فلا عجب ولا ضير في أن تكون الجنازة مهيبة وعظيمة فذلك دليل على محبة الله لعباده حينما أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على ثناء الناس في الرجل وختمه بقوله صلى الله عليه وسلم: (أنتم شهود الله في أرضه) رحم الله أبا ماهر وأسكنه الفردوس الأعلى وألبسه حلل المتقين الصابرين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وجمعنا معه ومع أحبابنا يوم الدين إنه سميع مجيب.
|
|