Al Jazirah NewsPaper Saturday  22/12/2007 G Issue 12868
الرأي
السبت 13 ذو الحجة 1428   العدد  12868
استحواذ عاطفي
محمد العُمري

إنني لا أعده عاطفة مقبولة أو مبررة بقدر ما أظنه اعتلالاً عاطفياً أو اضطراباً عاطفياً، غير أن مسألة الحديث عن الاستحواذ العاطفي هي عينها مسألة الحديث عن الخوف والأنانية واختلاط الوجدان.

ولكي نفهم فإنه من الضروري أن نقف عند الصفة: ما هو الاستحواذ العاطفي؟ وأنا لن أدعي القطع بأنني أعطي التعريف الصحيح أو الوصف الصحيح غير أن من طبيعة الإنسانيات الاتساع وقبول التعدد.

إنني سأصف فهمي للصفة أو المفهوم بالمقارنة بتجارب قد تكون محدودة أو خاصة أو عارضة.

الاستحواذ العاطفي نفي للعاطفة باسم العاطفة.. أليست هذه خدعة نفسية مراوغة.. أن نعادي عواطفنا بنزعة عاطفية دليل على أننا أقرب إلى الاضطراب العصابي منا إلى النضج العاطفي. إنني حين أنزع إلى حب التفرد والاستئثار وقطع الآخرين عن علاقة عاطفية ما أكون قد وقعت في فخ الاستحواذ العاطفي.. وأنا لا أتحدث عن خصوصيات عواطفنا.. لاحظوا هذه المسألة. نحن لا نختلف على حيز العلاقة العاطفية الخاصة. نحن نتحدث فقط عن العاطفة العامة، عن علاقة الناس ببعضهم. هذه حالة اشتراك إنساني. إن الاستحواذ أو نزعة الاستحواذ نزعة نافية لمعنى التعايش الإنساني.

سأقول لكم الآن وستلاحظون كيف أن فكرة الأخوة الإيمانية هي تماماً فكرة نفي الاستحواذ العاطفي، إنها ضدها الخالص. لا ينبغي أن نتعاطف مع أنفسنا على حساب الآخرين. ما أدق وأروع وأوضح هذا الحديث النبوي الشريف: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).. الفكرة التي ينطوي عليها القول النبوي الشريف هي تماماً فكرة الوحدة العاطفية لدرجة الاشتراك حتى في الألم وتلك مناقضة تماماً للطبيعة الأنانية التي نتحدث عنها. أعني طبيعة الاستحواذ العاطفي. هذه طبيعة ليست إنسانية وحتى الدين لا يقرها لأن فيها نوعاً من التعدي النفسي والتعدي ضرر.. إنها تضيق إنسانية البشر وهؤلاء الاستحواذيون يتحجرون واسعاً أو يريدون أن يفعلوا ذلك دون أن يرف لهم جفن. هذا شيء غريب مزعج. إنني أحياناً أعطل عاطفتي لكي لا أقع في صراع مع هؤلاء المحاربين. إنهم في حقيقة الأمر يخيفونني فأعود على عاطفتي باللوم وأقمعها، هذا أيسر من التنازع فكيف إذا كان ذلك التنازع مع هذا الصنف الغريب من عباد الله.. إنهم يستميتون لنفيك وهزيمتك وكسر شوكتك إن كانت لك شوكة.

في مقابلة هؤلاء عليك أن تتوب من تعميم عاطفتك وعليك أن تكف عن الرغبة في تحويل العاطفة إلى مشترك إنساني يرطب جفاف الدنيا.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد