بريدة - غالب السهلي
ها هو التاريخ يعيد للصباخ أهميتها؛ فقد عادت مزارع الصباخ في بريدة ذات النخيل الشاهقة إلى الحياة بعد موت دام عشرات السنين؛ فأصبحت بساتين خضراء ومزارع تحيط بها النباتات المختلفة والأشجار المتنوعة في لوحة بانورامية خلابة؛ فالصورة الآن للصباخ جنوب مدينة بريدة هي الصورة القديمة حينما كان هذا الجزء التاريخي يتكون من عدد من بساتين النخيل وحقول البرسيم والأشجار إذا دخله المرء لا يرى على امتداد بصره إلا الخضرة تحيط به من كل جهة وجداول المياه الصغيرة تمتد؛ ولذلك سماه السوريون (غوطة بريدة) قياساً على غوطة دمشق بالنسبة إلى دمشق نفسها.
كما اشتهر الصباخ بحدوث وقعة حربية تاريخية يطلق عليها (سنة الصباخ)، كما شهد الصباخ دخول أول آلة زراعية رافعة للمياه في بريدة وما حولها أدخلها عبدالله بن سليمان العيسى أحد وجهاء بريدة، وكانت آباره المنتشرة يتراوح عمقها بين 7 و8 قامات، وجميعها ذات ماء عذب وقريبة من سطح الأرض.
وعودة الزراعة إلى الصباخ بعد أن ترك الناس هذه الوسيلة الرئيسية لكسب قوت اليوم قديماً، جاءت بسبب تطبع الأهالي بالزراعة وحبها والاستفادة من الإمكانات المقدمة من الدولة، وكذلك خصوبة الأرض وعذوبة المياه وتوافر الأيدي العاملة.
أرض الصباخ جاهزة
هذا ما يؤكده عبدالعزيز البطي الذي أشار إلى أن الصباخ منطقة زراعية منذ القدم تستحق أن تولى الرعاية والاهتمام، وذلك بإعادة المزارع والبساتين الميتة، ولو بمجهودات ذاتية؛ حتى يستفيد الناس بما تمت زراعته من خضراوات وتمور وغيرها. وقال: زراعة المنتجات المعروفة لا تحتاج إلى مبالغ كبيرة ومعدات بل ما تحتاج إليه الزراعة في الصباخ هو العزيمة والإصرار وبعض الأيادي العاملة؛ فحينها يمكن - بمشيئة الله تعالى - إحياء الأرض. وأضاف: مع عودة الزراعة إلى الصباخ وظهور اللون الأخضر يكسو مزارعه معلناً عودة أيام الصبا وأيام الصباخ الجميلة تجد الناس يبحثون عن منتجات البساتين الصغيرة والمزارع مثل الورقيات كالخس والبقدونس والكراث وحتى التمور؛ فمعظم أشجار النخيل من الأنواع المرغوبة كالشقري والخلاص والنبوت؛ ولذلك فإن أصحابها تجدهم يبيعون هذه المنتجات أولاً بأول.
الخضرة طمأنينة
يقول أحمد الزعاق وموسى المبرك وصالح المغيص: أصبح الصباخ بتاريخه وحضارته السابقة واحداً من أرقى وأجمل المواقع في مدينة بريدة؛ فبعد عودة الزراعة وإحياء المزارع المهجورة تجلت أسمى معاني الجمال في هذه الجزئية الغالية؛ إذ آن للجميع الاستمتاع بالطبيعة الخلابة المتمثلة في الأشجار والزروع المتنوعة وآبار المياه والآثار القديمة، حتى أن آثار الزراعة السابقة من معدات وآليات لا تزال موجودة، وتعمل حتى وقتنا الحاضر؛ فهذه ماكينة استخراج الماء تصدح بصوتها الرائع في أرجاء الصباخ، معيدةً التاريخ إلى أكثر من أربعين أو خمسين سنة. وأضافوا: كثيراً ما يجرنا الحنين إلى الصباخ؛ الأمر الذي يجعلنا نرتبط بتاريخه وزراعته وآثاره، وذلك بتكرار الزيارات وتعريف أبنائنا بهذه الحضارة التي بدأت - ولله الحمد - تعود وتظهر بشكل لافت، خصوصاً أن هناك أماكن استجمام مميزة يمكن للمرء الجلوس فيها والشعور بالسعادة فيها مثل المزارع المفتوحة والاستراحات.