Al Jazirah NewsPaper Sunday  23/12/2007 G Issue 12869
وَرّاق الجزيرة
الأحد 14 ذو الحجة 1428   العدد  12869
من مظاهر العيد بين الأمس واليوم

تحقيق - عبد الله الرزقي

قال ابن منظور في كتابه لسان العرب بالمجلد السادس الصفحة 510 بالسطر التاسع ما نصه (العيد شجر جبلي ينبت عيداناً نحو الذراع أغبر لا ورق له ولا نور كثير اللحاء والعقد يضمد بلحائه الجرح الطري فيلتئم وإنما حملنا( العيد) على الواو لأن اشتقاق العيد الذي هو الموسم إنما هو من الواو فحملنا هذا عليه (انتهى ما ساقه ابن منظور). والعيد جمع أعواد والعيد المذكور في النص المسمى عليه عيد الموسم - وفق التخريج الآنف الذكر - يعرف في تهامة بالعيدة وهي مجموعة أعواد طويلة طرية.

الرأس تؤكل ذكر أهل الخبرة أنها بمثابة غسول للمعدة ولها سائل لبني أبيض وهي تنبت وتنمو مستقلة ولكن في الغالب الأعم أنها تنمو على شجيرات أخرى من العضاة وتأكلها كذلك الماشية ولا ينبت الطرف الذي يؤكل من رؤوس تلك الأعواد إلا مرة في السنة لهذا فنرى أن في ذلك سبباً لتسمية العيد بها أو العكس والعطار القديم في تهامة لم ينقل أسرار هذه النبتة العجيبة للعطارين في الحجاز واليمن والعراق ونجد وبقيت المعلومات الطبية عنها مجهولاً حتى آخر دقيقة من آخر ساعة من يوم كتابة هذا التقرير ونأمل من علم الأعشاب في أن يخضع هذه النبتة تحت مجهر وعدسة الجدوى الطبية منها وقد يكون لهذه النبتة وجود في أقاليم كثيرة من بلادنا لكن لعدم العلم بها والعناية بها لم تذكر في تلك الأقاليم ومن مواضعها في جنوب تهامة الحجاز حتى اليوم موضع الخدعاء ببلاد الطارق وغيرها مثل جحيرة الملحة - والظهره وغيرها وإجمالاً فإن لفظة العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد وهو بالمعنى المعروف ومنزع كلمة (عيد) من الآرامية ف(عيدا) الآرامية تعني بالعربية (العيد).

الأعياد في عصور ما قبل الإسلام

لم يكن للأعياد عند العرب قبل الإسلام صوره موحدة أو جامعة لتعدد الأديان واختلافهم في المعبود والغالب أن الأندية والأمكنة التي كانوا يمارسون فيها عباداتهم هي أماكن للمعايدة تقدم فيها القرابين ونحو ذلك والشاهد في ذلك ما أورده صاحب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام الدكتور جواد علي بقوله(وقد كانت للجاهليين أعياد لها صلة بأديانهم غير أننا لا نستطيع أن نتحدث بالطبع عن وجود أعياد عامة يعيد فيها جميع الجاهليين لأن الأعياد العامة تستدعي وجود ديانة واحده انتهى ماساقه (د . جواد) ولما جاء الإسلام أقر عيدين: عيد الفطر، وعيد الأضحى وأبطل ما سواهما فأصبح العيد هنا عيداً موحداً بتوحيد العبادة وبتوجه عام في إطار واحد وليس من اليسير أن نتعرف على أهم ملامح الأعياد في عصر صدر الإسلام والعصر الراشدي - والأموي - والعباسي - وما تلاها من عصور، إذ لا تمكنا مساحة هذه العجالة لكن الأعياد مع التقدير والاحترام لكل العصور فإن الأعياد في العصور العباسية زاهية بخلاف الأعياد في العصور الأخرى ويعود ذلك لما كانت عليه الدولة العباسية من الدعة والترف المعيشي والاجتماعي وقتئذ وقد يكون من غير المتيسر لنا الإتيان على مظاهر الأعياد عند الأمم والأقرب لدى عهد القارئ أو عهد والده وجده في محيطنا القرن الرابع عشر الهجري لذا سنعرج على أهم ملامح العيد به في إحدى مناطق هذه البلاد المترامية الأطراف ومنها الحجاز ففي الحجاز ذلك القطر الذي أخذ بأسباب التحضر أيام تسبق العيد مخصوصة بمسمى عشرة الخياطين - المقصود بها العشر الأواخر من شهر رمضان أو في عيد الأضحى فكما تكثف فيها الروحانية كذلك تعتبر فترة استعداد لأيام العيد فيلج الناس إلى دكاكين الخياطين زرافات بخام الأقمشة المتعددة الألوان من أهمها أبو تفاحة -والمبروم وأبو غزالين - والتيترون والإقبال على شراء الكوفيات والعمائم والمشالح ونحو ذلك فتنتعش تجارة وسوق الخياطين خلال الفترة المشار لها فيسونها عشرة الخياطين (تجد يد البيوت) ومن مظاهر العيد كذلك تجديد البيوت بالنوره والشيد كما في قصور (الريا ض) قديما والحسا وفي مكة والمدينة وجدة الرواشين كذلك المأكولات الشعبية والحلوى بعيد الفطر ويكون الحماس والاستعداد كذلك لعيد الأضحى - فبلادنا مترامية الأطراف، فكما يصنع الثريد والمثلوثة والقرصان الجريش والهريس والمرقوق فهناك أنواع من الحلوى الحجازية حلاوة الطحينية وشامية - وجبن أبيض ولبنة ودبيازه إلخ.... والكعك - والمعمول أما في تهامة بصورة عامة فالعيش البلدي والمشغوث المصنوع من حب الذرة أو الدخن بعد أن ينضج يسكب سائلاً حار يترك حتى يبرد في صحاف وصحون من خشب يضاف إليه السمن والعسل البلدي والرواكه - (اللهيدة) وغير ذلك وفيما يخص عيد الأضحى خلال مطالع القرن المذكور وقبيل غروبه فإن التركيز يكون على نوعية الأضحية فإلى جانب توافر الاشتراط الفقهية في الأضحية إلا أن هنا ك أيضاً مواصفات اجتماعية مطلوب توافرها في الأضحية - كان تكون من الضان - كباشه. ومن مظاهر عيد الأضحى في القطر التهامي أن يقلى ويجفف اللحم بإضافة الملح إليه ونظمه في مناظيم تعلق وتستخدم اللحمة المجففة بتلك الطريق حتى إلى العام القابل وأما شحوم الأضحية فتحول إلى حميس زيت حيواني يؤتدم به بعد إذابته في قدور الفخار من جهة ويدخل في أعمال الطبخ والطهي كما تعمل الربيثة وذلك بوضع جميع ما في بطن الأضحية من كرش وأمعاء وكلى وكبد وغيرها في قدر البرمة الفخاري أو الحجري بعد غمسها في معمعة من الكمون والفلفل الأسود وقطع البصل المجفف والملح وتعرق بشحم الأضحية ويضاف إليها الماء المغلي وتظل تطبخ حتى الغليان على نار الحطب القرض أو السمر والضهياء ثم يشرب مرقها (المرق عصارة اللحم ساخناً) ويؤتدم به على أنواع خبز الذرة، وإذ اختفت هذه المظاهر من جنوب تهامة الحجا ز ومن عموم شمال تهامة فإن أنحاء من محايل وجنوب البرك إلى جازان وما والاها لم تزل قائمة هناك.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد