Al Jazirah NewsPaper Sunday  30/12/2007 G Issue 12876
مقـالات
الأحد 21 ذو الحجة 1428   العدد  12876
الأيديولوجيا.. في اللغة الإعلامية
د. محمد بن سعود البشر*

من المستقر عند علماء الاتصال أن وظيفة اللغة هي بناء المعنى، ولذلك يؤكد كثير من المتخصصين في الاتصال الإنساني أن من أهم وظائف اللغة الاتصالية هي بناء المعنى بين القائم بالاتصال والجمهور.

والمعنى - بهذا المفهوم - هو عملية تفاعلية بين المصدر والمستقبل، بين المتحدث والمستمع، وبين الكاتب والقارئ.

هذه العملية التفاعلية بين القائم بالاتصال ومستقبل الرسالة الاتصالية تتخذ من اللغة أساساً لها في التفاهم والتفاعل وتكوين المعاني المشتركة بينهما من جهة، أو المعاني التي يريد القائم بالاتصال إيصالها إلى المستقبل من وجهة نظره هو، من جهة أخرى.

والأيديولوجيا تكمن في المعنى الذي يحاول القائم بالاتصال إيصاله إلى جمهور المتلقين لرسالته، ذلك أن الأشخاص يكونون معاني معينة عن البيئة المحيطة بهم (شخصيات، قضايا، أحداث ووقائع) من خلال وسيلة اللغة التي ينقلها إليهم الآخرون عبر وسائل الاتصال المختلفة.

وقد بين ويلهيلم دلثي Wihelm Dilthey في مفهومه للرؤية العالمية worldview الكيفية التي ينظر بها الناس إلى العالم من حولهم من خلال الثقافة المكتسبة، واللغة والمعتقدات، ويؤكد على أن معظم الرؤى والمفاهيم التي يتبناها الأشخاص خلال الوقت قد خضعت لكثير من الدراسات التي حاولت أن تعرف الكيفية التي ينظر بها هؤلاء الأشخاص إلى البيئة المحيطة بهم وأفعالهم المتأثرة بها.

المفهوم الشامل الذي شرح فيه ويلهيلم دلثي الكيفية التي يبني بها الفرد رؤاه وتصوراته حول العالم المحيط به التي يتصرف في أفعاله بناءً عليها يتخذ من الأيدولوجيا أساساً له.

فهو يقول: إن اكتساب الرؤى العالمية World

views إنما هو نتيجة للأيديولوجيا المكتسبة.

والأيديولوجيا المكتسبة إنما تكون عن طريق وسائل الإعلام، ووسائل الإعلام تصل إلى الناس عن طريق اللغة الإعلامية التي تبني - بدورها - مفاهيم الناس عن الأشخاص والأحداث والوقائع والقضايا التي يعيشونها أو يسمعون عنها.

ولا شك أن اللغة الإعلامية التي تحمل هذه الأيديولوجيا إنما هي من فعل القائم بالاتصال الذي يحاول إيصال المعنى المراد ( الأيديولوجيا) إلى الجمهور.

ولإيضاح هذا المعنى ضرب جون هو John

Howe مثلاً بالأيديولوجيا التي صاحبت الثورة

الأمريكية المعاصرة. فهو يقول إن الانتشار الواسع للمعتقدات الحضارية والرؤى السياسية للثورة الأمريكية المعاصرة إنما قامت على المعاني المتجسدة في اللغة التي تنقلها وسائل الإعلام الأمريكية للعالم.

هذا المثال يؤكد ما أثبته عدد من الباحثين من أن اللغة هي أساس الفعل السياسي الذي يتخذ من وسائل الإعلام أداة فاعلة ومؤثرة لإقناع الجماهير به، وأن السياسة بجملتها - هي تأثير اللغة، وبخاصة إذا استخدمت في حالات التحذير أو التهديد أو الهيمنة.

وبتأمل التاريخ السياسي المعاصر نجد أن اللغة الإعلامية كانت هي الأداة الأكثر تأثيراً في الترويج لكثير من الأيديولوجيات السياسية. فقد كان هتلر - ومن معه - يحملون تصوراً أيديولوجياً عن العالم وهم يخططون للتوسع والعدوان والحرب، معتقدين أن السلام لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التصور المستقر في أذهان النازيين، وقد كان هذا التصور الأيديولوجي سبباً لحرب عالمية كانت أكثر الحروب رعباً ودمويةً في تاريخ الإنسانية. والشيوعية الماركسية تحولت من أيديولوجيا فلسفية إلى واقع مادي جسده الاتحاد السوفيتي السابق، وفي الأحزاب السياسية التي تبنت الفكرة الماركسية حول العالم.

وشهد العالم كله فصول الحرب الباردة التي واكبتها وسائل الإعلام وكانت اللغة السياسية فيها أداة الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي إلى أن انتهت بسقوط الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينيات من القرن الميلادي المنصرم.

والمد القومي العربي الذي روج له نفر من الساسة والمفكرين العرب في الستينيات من القرن الميلادي الماضي وأحدث تحولات كبيرة في المشهد السياسي العربي كانت فصوله تُدار من خلال وسائل الإعلام العربية التي استخدمت لغة الثورة السياسية ضد كل موروث قيمي وثقافي في المجتمعات العربية.

ثم جاءت حرب الخليج الثانية 1990 - 1991م على أثر الاحتلال العراقي للكويت الذي أنهى المدى العروبي وأعاد صياغة المشهد السياسي في الوطن العربي، فظهرت دعوات أيديولوجية متفرقة كان أبرزها الشعوبية، لكنها لم تصمد أمام المد الإسلامي الذي برز بقوة ليعيد المجتمعات العربية إلى أصولها الدينية والثقافية.

ثم وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة فكانت تتويجاً لأيديولوجيا النخب السياسية المحافظة في الغرب لتسعى من خلالها إلى تصدير النموذج الأيديولوجي الغربي وفرضه على مجتمعات العالم تحت ذريعة (الحرب ضد الإرهاب). وقد زاد من تصعيد هذه الحرب الأيديولوجية ضد ثقافات العالم المختلفة التقدم التكنولوجي الهائل في صناعة الإعلام والمعلومة، فكانت اللغة الإعلامية التي جسدها النص المقروء والكلمة المسموعة والصورة المتحركة والساكنة أداة فاعلة ومؤثرة في الترويج للمعاني المقصودة من النخب السياسة والإعلامية في الغرب عامة والولايات المتحدة على وجه الخصوص.

وإذا كانت حالة الحرب تعطي الجماهير معاني مقصودة من السياسيين، فإن (الحرب ضد الإرهاب) التي قادتها الولايات المتحدة غرست مفاهيم معينة لدى الشعب الأمريكي، من مثل: (لماذا يكرهوننا) دون أن تشير هذه المفاهيم إلى أن العالم يكره سياسة الولايات المتحدة وليس القيم الأمريكية.

وإذا كان علماء اللغة الإعلامية يؤكدون على أن القدرة على الاقتناع تكمن في القدرة على تعريف الشيء وتحديد مفهومه بطريقة تقنع الناس به، فقد تعامل الساسة الأمريكيون ببراعة فائقة في تحديد المفاهيم التي أرادوا لها أن تسود العالم، مثل تعريفهم للإرهاب والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والحرية والتسامح بالمعاني التي يقصدونها وبالطريقة التي تخدم أهدافهم في الهيمنة على العالم. وقد لخص وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد ذلك كله في مقولته الشهيرة: (انتهت الحرب العسكرية وبدأت حرب الأفكار).

هذه الثورات السياسية والأحداث الكبيرة التي شهدها العالم المعاصر وما حملته من أيديولوجيا متباينة تسعى جميعها إلى الهيمنة على الثقافات والشعوب لم تكن لتحدث أثرها لو لم تكن هناك وسائل إعلام تنقلها للجماهير، ولغة إعلامية روجت لهذه الأيديولوجيات التي شغلت عقل العالم وفكره ولا تزال، وهو ما يؤكد على أن اللغة الإعلامية هي أداة التعبير السياسي عن الأيديولوجيا.

* أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.



 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد