1- عتبة العنوان
يعتبر الهدف الذي يرنو إليه الكاتب د.أحمد العيسى عاملاً أساسياً يفرض نفسه على كافة العوامل والمقدمات الأخرى فجاء هدفه بمثابة البوصلة الأمنية بالتبصير بأهمية تيار الوسط على الساحة الاجتماعية والسياسية وخطورة التيارات المنحرفة على الشباب من الجانبين الديني والعلماني وكأنه يرصد بعين المبدع ما يسهر عليه رجل الأمن ومركزا على حالة التجاذب بين تيارين مختلفين فكريا وأيدلوجيا داخل مجتمع واحد مما جعل المؤلف يختار عنوان المسرحية وسطي منكر ونفي بلا عنه التبعية والتأيد ويعتبر العنوان بحد ذاته نصا للمسرحية وعبارات وفصول المسرحية ما هي إلا تفريعات نصية من العنوان الأم والعلاقة بين هذه التفريعات والعنوان ليست علاقة اعتباطية، بل هي علاقة منطقية وعلاقة انتماء دلائلي لأن كل التفريعات تنتمي إلى دلالة العنوان الذي هو الحقل الرئيس ليشغل الفضاء الدلالي للوحدات والمقاطع؛ لأن العنوان هو تجميع مكثف لدلالة النص فكل كلمة في العنوان تتحول إلى جملة ثم تنمو الجملة إلى فصل لتناسب النص عبر تشكيلات وتقابلات عدة داخل المسرح لتصل إلى جملة العنوان ثم إلى بؤرة المسرحية ويصبح العنوان تجمع مكثف لدلالات النص ولأن الفن اختيار زماني ومكاني فقد جاءت المسرحية في زمان موفق لكل ما تشهده البلاد من استهداف إرهابي خطير واستهداف تغريبي من أجل خلع وزعزعت ثوابت الوطن الشرعية والأخلاقية في وقت واحد فاعتمد الكاتب على لغة الحوار كي ينقذ المجتمع من تيارين متصارعين على الوسط البسيط والمغلوب في هذا الصراع فراوح المؤلف بين اللغة الفصحى واللغة الحجازية ليجعل بذلك حوارا قادرا على الإقناع والإمتاع معا، بدمج اللغتين الفصحى والعامية الحجازية ليشكل بذلك لغة الحياة اليومية ومستخدما اللغة كوسيلة فنية ناجحة في تجديد أبعاد شخصية (أبو سند - أبو مهفة - أبو حيدرة - سند) مخالفا بذلك المسرح الروماني والمسرح اليوناني القديم الذي كان يعتمد على اللغة الكلاسيكية الشعرية وهي لغة الصفوة ليحقق بذلك المستوى الإدراكي العميق مما يؤدي إلى توأمة اللغتين الفصحى والعامية ليحدد باللغة وسيلة ناجحة مستخدما حيلة فنية معتمدة على النبر والإشارة في تحديد معالم وأبعاد الشخصية
- أبو سند: (يفز من نومه مذعورا)
سند ولدي: ولدي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
سند: أبوي وش فيك؟ وش صاير؟
أبو سند: أنت هنا.. الحمد لله.. كوابيس يا وليدي.. حتى في الطريق السريع كوابيس مزعجة.. الله يعين هذي أولها
سند: أعرفك يابوي.. هذا طبعك قلقان علي حتى في النوم
أبو سند: ليه ما أنزعج يا وليدي.. خايف عليك وأنا أبوك.. خايف
على مستقبلك يا سند
سند: حتى في الحلم تخاف علي.. بصراحة يا أبوي أنا مليت من
هالخوف الزائد، وإذا تبيني أترك الجامعة وارجع القرية ترى ما
عندي مانع بس أرتاح
أبو سند: لا.. لا.. لازم تروح المدينة وتكمل الجامعة وخليني أنا
بخوفي.. خوفي يا وليدي بعيد خوفي عميق عميق
المساحة الحوارية السابقة تكشف لنا عن أبعاد نفسية خايفة من واقع فكري وتيار مدمر ربما أخذ سنده وأمله في الحياة في طريق لا يحمد عقباه رسم الكاتب الدليل النصي بما في نفس أبو سند وسند أمام تحدي المدينة والمدينة معا، وازن الكاتب بين الأثر والنص الأدبي فحصر الأثر في مدلول جلي وصفه بالكابوس المرعب للأب وطلب العون من الله في كشف الغمة عن ابنه وبقية الأبناء، أما حال أبو سند فهو موضوع التأويل في المسرحية فمجاله الدال يحيل إلى فكرة الخوف على المستقبل من تيارين متناحرين التيار الإرهابي والتيار العلماني فلم يلجأ الكاتب لرسم خطوط لهذا الخوف بل قاس حجم هذا الخوف فكريا واقتصاديا وسياسيا وعقائديا وترك للمتلقي فرصة الوسطية التي تعيش مأزق الانتماء وغوغاء الاستهداف من قبل الاتجاهين.
2- تعدد المعنى داخل النص المسرحي:
أقام الكاتب موازنة بين الأثر والنص مما جعله متعدد المعنى أمام المؤسسات النقدية، في حين تمارس الأيدلوجية الفردية الفكرية تغيبه بشتى الوسائل لأنه يهددها في كيانه الفكري وفي تصورها الأوحد والقاصر لبنية النص بالرغم من امتلاك النص بنية حوارية قوية، التي تجعله قادراً على تجاوز العقبات وعراقيل الحواجز.
3- متعة النص في الجهاز اللغوي ووحدته العضوية:
التي جعلت من النص نهاية مفتوحة على عقلية الاختيار لدى المتلقي، فاللغة تجري وتدور وتتنقل عبر الأحداث لتصبح اللغة جهازاً تراسلياً يعيد توزيع الأدوار على الممثلين والأحداث التي راوح الكاتب بينها عبر الكلام التواصلي الهادف والأخبار المباشرة، ليعود أبو سند مرة أخرى بعد خروج الفرقة (الجوقة) وتفاجئه بابنه سند وهو يسحب من قبل التيارين بحبل فوق الجسر، وأبو سند يحاول إنقاذه ويأخذ حبل طويل ثالث ويتجه لمنتصف المسرح وينادي بصوت عال:
وينكم يا أهل الديرة..
وينكم يا الربع وين يالرجال..
وينكم يا نساء الديرة تنقذون ولدي سند وينكم... ساعدوني يالربع.. ويجر الحبل له تكفون.. يالربع.
ولدي بيضيع وأنتم تاركينه..
إن علاقة النص باللغة التي تتموضع فيها هي علاقة إعادة توزع المهام بالتعاون بين الرجال والنساء أهل الديرة في إنقاذ سند من التطرف الفكري.
4- التدليل- داخل النص:
جعل منه فضاء متعدد الدلالة ومفتوح النهاية ثنائي الحوار مولد للمعنى حين يلتفت أبو سند إلى جهة استراحة أبو حيدرة، ويقول: هذي رسالتكم للناس.. الجهاد يا جماعة والله على رأسي وعيني بس الجهاد ما هو فوضى.. ولا تفجير.. الجهاد طاعة ولي أمر.
طاعة الوالدين الجهاد يبي مؤسسات يبي جيش ما هو فوضى ما كل من تحمس مسك الرشاش وقال أبجاهد.
ثم يلتفت إلى جهة استراحة أبو مهفة: وأنتم الله يخلف عليكم الحرية مسؤولية ونظام الحرية اعتدال ما هي ابتذال وفوضى والحياة بناء وعمل ما هي هز وسط.
5- اختلاف المعنى واختفاء الحقيقة:
نلحظ ذلك في حوار أبو حيدرة وأبو مهفة وكيف يعمل كل فكر في اغتصاب الآخر.
أبو حيدرة: يا امبريالي
أبو مهفة: يا إرهابي
أبو حيدرة: يا منحل
أبو مهفة: يا رجعي
أبو حيدرة: يا علماني
أبو مهفة: يا ظلامي
أبو حيدرة: إنك امرؤ فيك جاهلية
أبو مهفة: وإنك امرؤ بلا إنسانية
ويظن كل منهما أنه لمس كبد الحقيقة المطلقة بأيدلوجيته الرافضة للاستقبال الآخر والساخرة من الواقع ومحاولين استقطاب أكبر قدر من الشباب الغارق في فوضى التبعية المارقة والضالة، ولذا فقد تعامل الكاتب مع الشخصيات بمنطق الحوار بوصفهم شخصيات كاملة الأهلية ومنحهم حرية التعبير عن نفسها عبر المنولوج الداخلي بصوت مسموع معتمداً على تعدد الأصوات وحوارية البناء اللغوي وبالتالي ساوى الكاتب بين زمن الخطاب السردي وزمن الواقع الحقيقي المعاش.
عمر محفوظ الصعيدي
باحث وناقد-في كلية دار العلوم- جامعة المنيا