الكتاب: A Life of Picasso
المؤلف: John Richardson
الناشر: Alfred A. Knopf
هذا الكتاب هو الجزء الثالث من كتاب جون رتشاردسون، الذي تناول فيه بشيء من التفصيل السيرة الذاتية لبابلو بيكاسو، وصدر مؤخراً بعنوان (حياة بيكاسو: سنوات الانتصار 1917-1932).
وفي نهايته يورد المؤلف اقتباساً عن مقال نقدي مطول كتبه طبيب النفس السويسري كارل جونغ عن بيكاسو، ونشر في عام 1932م، بعد يوم واحد من أحد العروض الناجحة لأعمال الفنان الإسباني في مدينة زيورخ السويسرية. في هذا العمل النقدي الذي صدر بعنوان (خلاصة تشخيص) أشار جونغ إلى أن الفنان الشهير كان مصاباً بداء الفصام (الشيزوفرينيا). ويعلق رتشاردسون على ذلك بعد خمسة وسبعين عاماً، في كتابه هذا الذي نحن بصدده، بقوله: (يبدو أن هذا التشخيص لم يخطئ هدفه كلياً، ذلك أن طبيعة بيكاسو المؤمن بالخرافات، وخوفه الدائم من قوى الشر، أمر لا يمكن الاستهانة به). ولكن رتشاردسون يعترض على اتهام جونغ بيكاسو بأنه كان (مصاباً بهوس الانجذاب إلى الأشياء القبيحة والأرواح الشريرة)، مدافعاً عن الفنان بقوله: إن خوفه من الأرواح الشريرة ربما كان مشتملاً على شيء من الافتتان بهذه الأرواح الشهيرة نفسها. ولذلك يرى رتشاردسون أن الغرابة التي اتسمت بها أعمال بيكاسو ربما نتجت عن نوع آخر من الصراع كان يعاني منه الفنان، وأن ذلك ربما يساعد في تفسير الأسباب التي أدت إلى أن يكون هذا الشخص الذي يقال إنه كان مصاباً بالتناقض والهوس الجنسي والقسوة (كانت معاملته لزميله الفنان خوان جريس ترقى إلى درجة الفضيحة) هو نفسه ذلك الفنان الأصيل الموهوب.
وحسب رتشاردسون كان على جونغ، دون غيره، أن يتفهم الطبيعة (التعويذية) لأعمال بيكاسو التي كانت تجعله يشعر بمسؤوليته في طرد الأرواح الشريرة بمكافحتها بأرواح شريرة أخرى نابعة من أعماله، وذلك يختلف عن مجرد الاستمتاع بهوس الانجذاب إلى الأرواح الشريرة كما ادعى جونغ.
وقد تناول رتشاردسون البواكير الأولى لحياة بيكاسو، ومن بعدها مرحلة الشباب، بشيء من التفصيل في الجزأين الأولين من هذا الكتاب، الذي صدر الجزء الأول منه بعنوان: (حياة بيكاسو: المعجزة 1881-1906)، والجزء الثاني بعنوان: (حياة بيكاسو: التكعيبي المتمرد 1907-1916)، وهناك جزء رابع وأخير في الطريق. ويحاول المؤلف إيصال تصوره عن بيكاسو إلى القارئ بأسلوب تدريجي من خلال صفحات هذا الجزء الثالث من الكتاب، مؤكداً الحقيقة التي تفيد بأن هذا الفنان، الذي كان حريصاً على الحداثة، ومعروفاً بانتمائه إلى (الفن الحديث)، لم يكن صاحب غرائز بدائية وحسب، بل نجح في إنتاج فن لا مثيل له من هذه الغرائز ذاتها. فقد ظل بيكاسو طوال سنوات حياته التي تناولها الكتاب ملتصقا بشدة بغرائزه البدائية تلك، ورغم ذلك أصبح من الشخصيات البارزة في حياة تلك الفترة، وعاش حياة الشخصيات البارزة بكل وجاهاتها، لدرجة أن أصدقاءه السابقين اعتقدوا أنه باع كل ما لديه من أعمال فينة وتحول إلى شخصية برجوازية، متأثرين في ذلك بحياته الثرية وعدم تأثره بالتدهور الاقتصادي.
ويرجع الكتاب ثراء بيكاسو خلال تلك الفترة لعاملين، أولهما صلته بالأرستقراطي الروسي سيرجي دياغليف، صاحب فرقة (باليه روسيا)، وهي العلاقة التي أورد الكتاب عنها الكثير من التفاصيل. والعامل الثاني هو صلته بأولجا خوخلوفا، إحدى راقصات فرقة باليه روسيا التي بذلت جهداً كبيراً لتهذيب بيكاسو، ودمجه في الطبقة الأرستقراطية. وقد نجحت في ذلك إلى حد ما، غير أن هذا النجاح كان على المستوى السطحي فقط، ولم يتجاوز ذلك إلى أعماق الفنان، الذي ظل وفياً لحياته البوهيمية. وكان دياغليف يعامل بيكاسو باعتباره أحد بطانته، وفي المقابل كان يأمل في أن يسعى الفنان إلى تغير سلوكه نحو الأفضل. أما أولجا فقد رغبت في أن تصبح زوجة لبيكاسو، وعندما تم لها ذلك في نهاية الأمر بدأت تلعب دور الضيافة الراقية، وتتمتع بإدارة منزل مليء بالخدم والحشم، واستطاعت إبعاد زوجها عن العديد من أصدقائه، بل امتد تأثيرها إلى فنه، الذي أصبح أقل ثورية مقارنة بكشوفاته التكعيبية قبل الحرب. فهل باع بيكاسو أعماله؟ في الواقع لم يفعل ذلك، بل أنتج خلال هذه الفترة أكثر أعماله قلقاً، وأكثرها تقليدية كذلك. وبدا كأنه راغب إلى حد ما في التزامات الحياة البرجوازية، وارتباطات الحياة المنزلية والأسرية بعد أن منحته أولجا ولداً. ولكنه لم يتخل عن التردد على المواخير، كما أنه وقع في غرام فتاة شابة اسمها ماري تيريز وولتر التي لم تكن أقل شأناً من زوجته. ومن تعقيدات المقارنة بين زوجته وعشيقته خرج بعض أعظم أعماله الفنية.
ويقرر رتشاردسون أن فن بيكاسو بدأ يتجه نحو التركيز على الجنس منذ هذه الفترة. وهو مثير للإعجاب في قدرته على فك شفرة بعض اللوحات التي يعتقد أن غيره لم يوفق في تفسيرها، رغم اعترافه أن تفسيراته أيضاً قد يجانبها الصواب؛ إذ إن بيكاسو كان بارعاً في إضفاء هالة من الغموض والسرية على لوحاته. لكن تفسيراته تجنح أحياناً نحو التشخيص السريري الذي يعجز عن فهم الدفقة الحيوية للعمل الفني الذي يقوم بتحليله.
وفي الجانب الآخر نلاحظ أن رتشاردسون لا يتوه في تفاصيل التحولات وازدواجية المعاني التي تميز أعمال بيكاسو، كما أنه لا ينسى أن بيكاسو ذكياً وميالاً إلى الفكاهة السوداء، وهما خاصيتان تضعفان كثيراً أي تناول وقور لأعماله.
ومما يميز رتشاردسون في هذا الجزء الثالث من كتابه الرائع عن بيكاسو قدرته على وضع الفنان وعبقريته في قالبهما التاريخي، حيث يصف بدقة عالية أوضاع الأرستقراطية الراقية في بدايات القرن العشرين التي سيق إليها بيكاسو بمزيج من الحماس والتردد. وفوق ذلك كله، نلاحظ أن المؤلف مطلع اطلاعاً جيداً بالفنون ودقائقها، ما ساعده كثيراً على تناول شخصية الكتاب.