Al Jazirah NewsPaper Friday  18/01/2008 G Issue 12895
مقـالات
الجمعة 10 محرم 1429   العدد  12895
ما في ها البلد إلاّ هذا الولد!!
د. خالد بن محمد الصغيّر

قادتني الأقدار للُقيا مجموعة من الأشخاص العاملين في قطاعات، ومؤسسات، وإدارات دوائر متنوعة في أوقات متفرقة، وقد عبر الجميع خلالها عن امتعاضهم من ظاهرة أو بالأحرى مسألة إسناد المهمات، وفرص تمثل جهاتهم في المحافل والمنتديات الداخلية والخارجية، ومنح الفرص التدريبية وما في

حكمها لأشخاص بعينهم، وبشكل متكرر يوحي بالانتقاء العمد لهم دون سواهم.

وبينما كنت أستمع لاعتراضاتهم تلك وجدتني أستحضر مثلنا الشعبي الذائع الصيت: (ما في ها البلد إلاّ هذا الولد)، وسبح بي الخيال خطوات أخرى أبعد من استحضار ذلك المثل المشهور فوجدتني أصب جام غضبي على المحسوبية التي أفسدت كل جميل في عملنا التنموي، وقضت على الإبداع وأهله، وقدمت مكانه المجاملات والحسابات الشخصية الضيقة الأفق. وسأحاول من خلال هذه الإطالة المقتضبة محاولة تقديم تفسير لهذه الظاهرة مع استعراض سريع لما ينبغي أن نقوم به من أجل التخلص من ما يمكن تسميته بانتقائية وتكرار التمثيل والمشاركة لأفراد بعينهم في الأنشطة والفعاليات المحلية والإقليمية والدولية.

إن شيوع ظاهرة تكريس الفردنة - إن جاز تسميتها بذلك- والتكرار في التمثيل يعود إلى حقبة تاريخية ماضية مازلنا نجني نتائجها اليوم، والتي حبلت بأسباب جعلت من اللجوء إلى ذلك التوجه أمراً مقبولاً بل إنه في أحيانٍ كان أمراً حتمياً لا فكاك ولا مفر منه. بالأمس القريب كان مثقفونا ومبدعونا ومن يشار إليهم بالبنان ثلة قليلة يعدون على أصابع اليد الواحدة، ولذا كان المسؤول عن ترشيح أسماء أشخاص للمشاركة في القادم من الأنشطة والفعاليات يواجه معضلة نظراً لمحدودية خياراته، إن لم نقل اقتصاره على خيار أوحد لا مناص منه. أما اليوم وقد خرجت جامعاتنا ومؤسساتنا كوكبة نيرة مؤهلة مبدعة ذات قدرات علمية وثقافية وأكاديمية، فالخيارات أصبحت متعددة ولم يعد هناك مبرراً لانتقاء أسماء محددة تسند إليها في كل مرة وحين أمرة المشاركة والتمثيل.

المشكلة ليست في اختيار، أو لنقل قصر التمثيل والمشاركة على أشخاص بعينهم، وبخاصة عندما يكونون من أصحاب الفكر النيّر الذين يسجلون إضافة جديدة في مرة يمثلوننا فيها، ولكنها تكمن في الإصرار على اختيار تلك النوعية من الممثلين والمشاركين الذين يشعر المتابع أن الاختيار وقع عليهم لاعتبارات ليست بالكفاءة والقدرة من بينها، أو على رأس أولوياتها، وإنما لعلاقة شخصية، وبسبب تبادل المصالح والمنافع الشخصية للمُرشِح والمُرشَح للمشاركة، وبدافع المحاباة والمجاملة التي يبديها كل طرف للآخر.

وبنظرة أبعد وأشمل نجد أن تكريس أسماء معينة يتكرر حضورها في كل مناسبة، وفي كل لجنة، وفي كل هيئة، هو الناتج المباشر للعشوائية، والارتجالية، وسوء التخطيط للأنشطة والفعاليات المزمع المشاركة فيها، وهو مؤشر لعدم الرغبة في البحث عن كفاءات متميزة غير تلك التي تتم دعوتها في كل مرة ومناسبة ونشاط. كما أنه أيضاً محصلة غياب آلية واضحة ودقيقة لعملية اختيارهم، وعدم وجود لائحة منظمة لشروط الترشيح للإيفاد أو التكليف في المهمات الرسمية، والمؤتمرات والدورات الداخلية والخارجية، والفعالية والنشاطات، وتغييب مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في المشاركة المتكئة على أحقية وأفضلية المرشح، وليس لاعتبارات أخرى غير موضوعية تسيّر بطريقة غير منصفة عملية الاختيار وتوجهها بطريقة محددة مسبقاً.

والفاحص يجد أن الاستمرار في هذه الممارسة سيقود ولا شك إلى نتائج سلبية تتمثل في القضاء على روح الإبداع، والرغبة في المشاركة الفعالة في بناء المجتمع وتمثيله خير تمثيل؛ لأن من يقف خلف هذا السلوك يبعث برسالة فحواها أن عجلة التنمية في البلد يُسيّرها، ويوقد دفتها أناس بعينهم، وهم دون غيرهم الذين لا يتسع الميدان لاستيعاب آخرين بجانبهم، فهم بمثابة الأوصياء الذين يحملون أفكاراً ورؤى لا تقبل النقاش، ومن هناك فهم المرشحون تلقائياً، وخير الممثلين لكل مناسبة، والخطورة في ذلك تكمن في شيوع مبدأ الوصاية الفكرية التي يقوم على تسويقها واجترارها الممثلون الدائمون لنا في كل محفل.

كما أنها تبدو كذلك في بنائنا لسد منيع أمام الدماء الجديدة المفعمة بالحيوية والأفكار العصرية والتي تمتلك قدرة على العطاء تستحق معها أن تكون خير ممثل لنا، بل وفي المراتب الأولى الذين يجب أن يقع عليهم الاختيار لقدرتهم على تقديم مشاركات على مستوى عالٍ من الجودة ولتنوع والاتقان، وإلى جانب ذلك كله نجد أن هذه الممارسة تقود كذلك إلى الإيحاء إلى تلك الأسماء المتكررة بالاستكانة، وعدم بذلك الجهد المتوقع بسبب أن من يقف خلف ترشيحهم يكفيه حضورهم وموافقتهم على تولي المسؤولية من غير تطلع لمستوى متميز يقدمه أولئك المختارون أو المرشحون - كما أنه في الوقت نفسه يقود إلى استهلاك واستنزاف قدراتهم من جراء كثرة المشاركات المتوالية، ويقتل أيضاً روح المنافسة لدى قطاع عريض من الكفاءات التي ترى أن تفانيها وإتقانها لعملها يقابل بالتجاهل، وعدم التقدير، والمكافأة.

والمخرج من هذه المعضلة الإدارية والتنظيمية والفكرية يكمن بالإضافة إلى ما تم الإتيان عليه آنفاً في إتاحة الفرصة لمبدأ الأحقية في المشاركة لمن يملك الجديد والمفيد وفوق ذلك الكفاءة وهي المعايير والاعتبارات الكفيلة بقطع الطريق على المحسوبية، والقبول بالمشاركة الضعيفة، أو غض الطرف عنها، والانتقاء لأسماء محددة ومكررة، كما أنه يمنح في الوقت نفسه بارقة أمل لقدرتها العلمية المغيبة كي تكون حاضرة لتشارك وتمثلنا خير تمثل في الأنشطة والفعالية، والمحافل المحلية والدولية على حد سواء. وعندئذٍ نكون قد هيأنا أجواءنا لصعود نجوم مبدعين ينتنظرون إتاحة الفرصة لهم ليثبتوا كفاءتهم، وقدرتهم على العطاء، وسوف تنعتق من رقبة الوجوه المكررة التي تراها في كل شاردة وواردة على الرغم من ضعف مساهمتها وأطروحاتها ومشاركتها وتمثيلها لنا في مختلف المحافل.





alseghayer@yahoo.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد