المقالة التوثيقية الحميمة المنشورة في صفحة (متابعة) بالجزيرة في العدد ذي الرقم 12894 يوم الخميس 9-1- 1429هـ بقلم سمو الأمير محمد بن مشاري بن عبدالعزيز عن والده أثارت شجوناً وذكريات تضيء أحداثها في الذاكرة عن صاحب السمو الملكي الأمير الفاضل مشاري بن عبدالعزيز - رحمه الله - الذي تكتنز شخصيته بصفات التواضع والإيثار والحضور الفكري والمعرفي، والثقافي، والاختصاصي، فعندما يتحدث مثلاً عن الطب مع الاختصاصيين في الطب تلحظ أنه قد درس الطب وزاوله في حياته العملية بأدق تفصيلاته، ولكن المتأمل في أبعاد هذا الحضور عن قرب يُدرك أن معاناة الأمير مشاري من المرض بالإضافة قراءاته الواعية في الكتب الطبية المتخصصة واهتمامه بالبحث عن المسألة فيها لمعرفة أسبابها ونتائجها وعلاجها جعلته ملماً بالطب، يماثله إلمامه منذ الصغر بقيادة الطائرة، في عهد والده المؤسس الملك عبدالعزيز - رحمه الله - وحرصه على الإتقان في هذه المهنة بالتدريب والمتابعة والإفادة من تجارب عدد من أصدقائه الطيارين في المملكة، وخارج المملكة، ساعده في ذلك عشقه لتعلم اللغة الإنجليزية وإتقانها منذ الصغر، وفي إيضاح الأمير محمد بن مشاري لملامح من شخصية والده ما يبرهن على ذلك الحضور الفذ في شخصية الأمير مشاري بن عبدالعزيز، ويحرّض على المطالبة بتوثيق هذه المعلومات الأثيرة عن الفقيد - رحمه الله - لا سيما أنه كان في حياته بمثابة (جمعية خيرية) تتمثل في تبني أفكار اجتماعية إنسانية رائدة، كان يطمح إلى تحقيقها ويتحدث عنها بحماس وثقة وأمل في تحقيقها للإفادة منها، انبثقت من معاناة حقيقية ذاتية، من أهمها:
- اقتراح فكرة (الطبيب الطائر) التي تهدف إلى سرعة إنقاذ الحالات العاجلة، والمبادرة إلى علاجها لأن حياة الإنسان أغلى من كل شيء.
- اقتراح فكرة (الطبيب الهاتف) التي تهدف إلى المبادرة وسرعة مباشرة علاج المرضى والمصابين، وسرعة الوصول إليهم إثر اتصال هاتفي من المريض نفسه أو ذويه، وهو توجه إنساني رائع في إسعاف الإنسان.
- فكرة إنشاء (مشروع إسكان اجتماعي) في كل مدينة بالمملكة لكل مواطن لم يستفد من (قروض الصندوق العقاري)، ولا يملك أرضاً ليقيم عليها سكناً له ولأسرته.
وكل هذه الفِكَر والمشروعات تحتاج إلى إمكانات وطاقات باهظة، وكوادر مخلصة واعية للمتابعة والتنفيذ، والتسديد.
كما كان يطمح إلى مشروعات أخرى لدعم الفكر والثقافة والأدب وقد أسهم بإصدار كتابه (خطوات فوق الصخور) الذي انتخب فيه نماذج من القصائد لنماذج من الشعراء تتضمن توثيق الأحداث في عهد الملك عبدالعزيز من خلال معاصرتها وتناولها بأساليب متفاوتة، قدم لكل شاعر وقصيدة بمقدمة أدبية بليغة موجزة، ومن أولئك الشعراء:
1 - الشاعر الأستاذ: محمور شوقي الأيوبي.
2 - الشاعر المؤرخ: خير الدين الزركلي.
3 - الشاعر الأستاذ: نقولا معلوف.
4 - الشاعر الشيخ: سليم أبي الإقبال اليعقوبي (مفتي يافا سابقاً).
5 - الشاعر الأستاذ: أحمد محمد الكتابي المصري.
وغيرهم من الشعراء الذين قدّم لهم المؤلف الأمير مشاري قصائدهم بمقدمات نثرية معبرة، برغم أنه قدم هذا الكتاب بمقدمة، ووقفات عن سيرة والده العظيم الملك عبدالعزيز - غفر الله له - وفي مقدمة هذا الكتاب يقول: (إن هذا الكتاب ليس سوى لمحات خاطفة، خاطفة جداً من شخصية الملك عبدالعزيز كما عرفتها وكما عرفها الناس - بلغة النثر والشعر - وإني أرجو أن تتاح لي القدرة على إتمام كتابة سيرة الملك عبدالعزيز التي أعكف الآن على كتابتها كاملة، فعلى كثرة ما كُتب عنه بمختلف اللغات ما زلت أشعر - مع تقديري لكل ما كُتب عن سيرته - أن هذه السيرة حتى الآن لم تكتب بعد، وليست هذه الصفحات سوى المقدمة فقط. انتهى عام 1388هـ.
وأتساءل هنا: هل كتب الأمير مشاري عن سيرة والده الملك عبدالعزيز غير هذا الكتاب؟ أوجّه التساؤل لسمو الأمير محمد بن مشاري بن عبدالعزيز الذي لفت النظر إلى تلك التوجُّهات الوفائية الرائعة.
مقترحات:
أولاً: بما أن هذا الكتاب الذي بين أيدينا (خطوات فوق الصخور) يعبّر عن رؤى أحد أبناء الملك عبدالعزيز ويتناول ملامح من خطوات عن الملك المؤسس عبدالعزيز - غفر الله له، ويضم قصائد تتناول أحداثاً تاريخية موثقة فإنني أقترح أن تتولى (دارة الملك عبدالعزيز) إعادة نشره وطباعته ضمن مشروعها الثقافي التوثيقي عن (سيرة الملك عبدالعزيز) لاسيما أن الكتاب طبع عام 1388هـ كما تقول مقدمته، ولم تُعد طباعته فيما بعد، وغير متوفر في المكتبات حالياً.
ثانياً: أن يجمع ما كتب عن الأمير المثقف الأديب مشاري بن عبدالعزيز وينشر في كتاب توثيقاً للمرحلة التي عاش فيها وفاءً وتقديراً لشخصيته الرائدة، ومن ضمنها هذه المقالة التوثيقية التي كتبها ابنه سمو الأمير محمد بن مشاري بن عبدالعزيز، وحبذا لو تولى سموه هذه المهمة بنفسه ما دام قد بادر بالإيضاح والتنويه وفقه الله.
ثالثاً: عرض كتاب الأمير مشاري - رحمه الله - بعد طباعته في معارض الكتب الداخلية والخارجية ضمن ما كتب عن الملك عبدالعزيز لما يمتاز به من أسلوب رائع، واختيار موفق في القصائد مع توثيق سيرة الشعراء وتاريخ القصائد لمعرفة المرحلة أو العام الذي نسجت فيه، والحادثة التي قيلت فيها القصيدة.
وفي ختام هذه المقالة أودُّ أن أنوه أن اسم الشاعر (بركات) الذي أورده مقال الأمير محمد بن مشاري هو (بركات بن نصيب) ويلقب ببركات (الشريف) أسوة بذلك الشاعر القديم الحكيم (بركات الشريف) الذي توفي منذ أكثر من مئة سنة بينما توفي هذا الأخير منذ ما يقارب ستة عشر عاماً وهو من سكان (الجموم بوادي فاطمة) التابعة لإمارة منطقة مكة المكرمة وكان من رجال الملك عبدالعزيز رحمه الله، ومن الأخوياء الخاصين للأمير مشاري، والأمير ماجد - رحمهما الله - ثم الأمير سطام بن عبدالعزيز - نائب أمير منطقة الرياض، وهو من الشعراء المعبرين المجيدين غير أنه لم يُنشر له ديوان يضم شعره لذلك وددت التتويه عن ذلك تقديراً ووفاء له بصفته أحد شعراء الردّ المنسيين الذين لم يسجل شعرهم ومثله رفيق دربه الشاعر طلق الهذيلي الذي توفي منذ بضع سنين، رحمه الله.
هذا ما أحببت أن أعبر عنه في ذكرى الأمير المثقف الطيار مشاري بن عبدالعزيز تغمده الله برحمته الواسعة وأسكنه جناته الفسيحة، آملا أن يتحقق ما طمح إليه من مشروعات إنسانية رائدة، والله ولي التوفيق.
عبدالله بن سالم الحميد