تابعت في الجزيرة ما كتب عن الآلام التي تعرضت لها الطفلة غصون، وأقول: عجباً لنا نحن البشر؛ لا نزال ننهش في لحوم الآخرين حتى بعد مفارقتهم إيانا، ونذكرهم بما يلطخ سمعتهم وسمعة ذويهم، وكأنه يحل لنا أن نأكل من لحومهم، متناسين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (اذكروا محاسن موتاكم)، وكأن النهش في عرض الميت قد أبيح بعد رحيله وانقطاعه عن هذه الدنيا.
والله وحده يعلم كم مزّق قلبي ما أقرؤه هذه الأيام من كتابات تتعرض لأبي غصون وزوجه. أعلم أن أولئك الكُتاب لم يسطروا إلا من حرقة في قلوبهم على الطفولة المهدرة والبراءة المغتالة، وأنا معهم في ذلك، بل كم يجافيني النوم ويصاحبني الأرق حينما تمر في مخيلتي صورة تلك الزهرة الممزقة البتلات.. لا أنسى جسدها المسجى على سرير الموت وقد ارتدت فانيلة صفراء لا حياة فيها، والجسد قد توسم بالكدمات والضربات.. كثيراً ما أفكر في أمها المكلومة.. أم لا حول لها ولا قوة، ترى قرة عينها تموت يوماً بعد يوم. ولكن كل هذا لا يبيح لنا أن نتعرض لعرض ذلك الأب وزوجه. وإني لأعجب من أولئك الذين يدعون عليهما بالويل والثبور.. فلربما أنهما قد تابا توبة لو وزعت على أهل الأرض لكفتهم.. ولا ننسى ما قاله رسول الله صلوات الله عليه وسلامه لمن لمز وهمز في ماعز - رضي الله عنه - بعد إقامة الحد عليه: (لقد تاب توبة لو تابها صاحب مكسٍ لكفته) ثم إن الحد يطهر من الذنب بإذن الله.
إن أبا غصون وزوجه قد أقبلا على رب غفور رحيم يجازي بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وغفراناً، فلندعهما.. ولنصن عرضهما.. فربهما أكرم منا. أتمنى ألا يفهم أحد أني مع فعل أبي غصون - رحمه الله - في تعذيبه لطفلته، بل بالعكس، أنا من أول المؤمنين بفداحة وبشاعة فعله، وأقف بحزم في أول الطابور المنادي بمعالجة العنف الأسري وحماية حقوق الأطفال، ولكن للأعراض حدود.. ولَكَم تمنيت أن لو تحولت مقالاتهم إلى مقالات تنادي بحقوق الأطفال وقضاياهم عامة وعن غصون خاصة دون الدخول في عِرض والدها والدعاء عليه، فأنا لم يدفعني لتسطير هذه الكلمات غير غيرتي على عرض الرجل وحرصي على ستر عورته.
البتول بنت محمد أبا الخيل