Al Jazirah NewsPaper Monday  11/02/2008 G Issue 12919
الأثنين 04 صفر 1429   العدد  12919
القناعات المُضَلِّلة

أدين لمقالة الأستاذ خالد المالك رئيس تحرير صحيفة الجزيرة يوم الأحد الماضي بعنوان (الصحافة السعودية: وجهة نظر بما يقوله بعضنا عنها) بإثارة شجون في نفسي قديمة تصحو حيناً وتخبو أحياناً حول مستوى صحفنا مقارنةً بمثيلاتها في الوطن العربي.. وسوف أبدأ من حيث ختم الأستاذ خالد مقالته الواقعية جداً عن المنافسة بين الصحف السعودية والصحف العربية، وتشخيصه الدقيق لما أسماه بالقناعات المضللة.

وأود في البداية أن نتفق على مجموعة من المُسلَّمات والبديهيات التي لا تحتاج إلى مزيدٍ من الجدل، وإعمال الذهن في استحضارها، فمن تلك المسلمات أن الصحافة السعودية قطعت أشواطاً طويلةً في مضمار التطور والتحديث في جميع المجالات فبدون شك أن معظم صحفنا أخذت بأرقى التقنيات في مجال الطباعة وفرز الألوان وكل ما يتصل في مجال الطباعة والأمور الفنية، كما أننا لا بد أن نتفق في البداية على معايير الأفضلية التي قد تدعي صحيفة أنها أفضل من الأخرى من خلالها، ومتى ما اتفقنا استطعنا أن نكون أكثر مصداقيةً، وأكثر واقعيةً، وأكثر صدقاً مع النفس وبالتالي مع القراء.

لكن أعتقد أن الزعم (بأفضلية) صحفنا على الصحف العربية هو نوع من المغامرة والمجازفة غير المبنية على دراسات وأبحاث محايدة، وبعيداً عن شهادات مراكز الدراسات والأبحاث المدفوعة الثمن التي تعطي الأفضلية لمن يدفع لها، فإنَّ هذا الزعم يبقى فاقداً للأهلية، وغير ذي قيمة لأنه مجرد زعم لا تسنده حقائق واقعية.. إننا إذا أردنا نقارن بين صحفنا ومثيلاتها العربية فلا بد أن نجري مقارنةً شاملةً في جميع المجالات وليست مقارنةً مجتزأةً.. حتى نكون موضوعيين وتصبح أحكامنا عادلة وغير منحازة وغير عاطفية.

أنا - كما قلت - لا أنكر أن صحفنا تطورت وقفزت قفزات مهمة وجبارة، وحققت نجاحات يُشار لها بالبنان رغم أنَّ من بينها مَنْ تهور وتوقف عن الصدور، لكن دعونا نقف أمام صحفنا التي تطورت ونقارن بينها وبين بعض الصحف الخليجية والعربية من ناحية جودة الطباعة، وجمال الإخراج، وقيمة المواد المنشورة، وعدد المشتركين، وأرقام الطباعة، وأعداد البيع والرجيع و.... و... ماذا تقول الإحصاءات والأرقام المحايدة؟ قد تتفوق بعض صحفنا على مثيلاتها الخليجية والعربية في مجال أو مجالين فقط كحجم الإعلان أو ضخامة الإنفاق.

لكن متى ما استخدمنا الأساليب العلمية، والطرق المنهجية في الوصول للمعلومة ونحينا العاطفة جانباً في مفاضلتنا بين صحفنا الوطنية وغيرها، أعتقد أننا سنراجع أنفسنا في هذه المسألة.. بشرط ألا نقصر التطور ونختزله في حجم الدخل الإعلاني فقط، بل لا بد أن نأخذ في الحسبان جوانب عدة في مقارنتنا.. مثل حجم التطور النوعي في صحافتنا.. ومدى اهتمام صحفنا بتدريب كوادرها الصحفية.. ودور الصحف في توعية وتثقيف القارئ، ومدى ارتباط القارئ بالصحيفة، وإلى أي مدى تمثل قراءة الصحيفة بالنسبة له عادة يومية؟.

في رأيي أن الصحيفة الناجحة هي التي تكون متوازنةً في صفحاتها وأبوابها، منطقيةً في معالجتها للقضايا والمشكلات بعيداً عن مبدأ الإثارة والتهويل.. يجد فيها القارئ ضالته.. وتحقق مقداراً لا بأس به من الانتشار في بلدها، لأنه من النادر أن تجد صحيفة عربية مقروءة ومنتشرة في بلد عربي غير بلدها الأصلي، اللهم إلا إذا استثنينا الصحافة العربية الصادرة من لندن.

إن الصحيفة التي يعتقد مسؤولوها أنها هي الصحيفة الأفضل على الإطلاق هم في الحقيقة واهمون! لأن الأفضلية ليست صفة مطلقة بل هي صفة نسبية فقد تكون صحيفة ما هي أفضل في المردود الإعلاني، لكنها فقيرة في جانب الأخبار والموضوعات، وقد نجد صحيفة تعتمد على الإثارة والعناوين الجذابة وهي في الواقع تعاني أنيميا في المحتوى.. وهكذا بإمكان كل صحيفة أن تدعي الأفضلية على غيرها من الصحف وقد تكون مُحقة ولكن أفضليتها ليست مطلقة بل هي أفضلية عرجاء أو من وجهة نظر مسؤوليها.. وعنذئذٍ ينطبق عليها القول المشهور:

(حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء)

إنني أعتقد أن على صحفنا السعودية العمل بجدٍ وإخلاصٍ على تطوير وتحديث جميع مجالات العمل في الصحيفة، فأمام صحافتنا مشوار طويل يتطلب بذل مزيد من الجهد ومزيد من آليات وأساليب العمل الصحفي، كما أن عليها عدم الركون إلى القناعات المضللة والمقولات الجاهزة التي تضر أكثر مما تنفع..

عبد العزيز البليهد
مستشار إعلامي


ashb2000@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد