Al Jazirah NewsPaper Thursday  13/02/2008 G Issue 12921
الاربعاء 06 صفر 1429   العدد  12921
أنت يا مي من برّ وسرّ وبشّر
عثمان أحمد عمر

كنت أسير قرب أحد المستوصفات بالرياض وفجأة سمعت صوتاً يناديني: يا أستاذ عمر ومن ثم توقفت سيارة فجأة، ونزل من السيارة رجل واقترب مني وقال السلام عليكم يا أستاذي، نظرت إلى وجهه وعرفت أنه أحد الطلاب من عائلة كريمة الذين درستهم في معهد العاصمة النموذجي بالرياض قبل أربعين سنة، أصر على مرافقته إلى البيت فرافقته واستعدنا الذكريات وكانت ليلة جميلة، طبعاً تكررت الزيارات ولا زالت تتكرر حتى الآن.

وفي السنة الماضية، ذهبت إلى سوريا لقضاء إجازتي وبينما كنت أجلس في أحد المنتزهات مع عائلتي تقدم مني رجل غطّى الشيب رأسه وسلم علي باحترام وقبّل رأسي وهو يردد أهلاً يا أستاذي أهلاً أهلاً، وقد علا وجهه السرور والغبطة، قدم نفسه أنه أحد طلابي قبل خمسين سنة، وبادر بالقول يا لها من لحظة سعيدة، بالطبع استضافنا ومن ثم دعاني وعائلتي إلى بيته.

هذه هي العلاقة التي يرتبط بها الأستاذ مع طلابه، وإني متأكد أن ما يحدث معي يحدث مع زملائي الآخرين من الأساتذة، حالة خاصة، يرفض فيها عقل الأستاذ أن ينسى طلابه وبالمقابل يرفض عقل الطالب أن ينسى أستاذه، إنها علاقة ديمومة محمودة، تتسم بأسمى المثل والمناقب، وثيقة العرى، ينطلق منها شعاع المحبة والإخلاص والوفاء، كم هي عزيزة على قلوبنا، تلك العلاقة التي يكتنفها الإخاء والأخوة والألفة، والتي تتجاوز الحياة لتبقى بعد الموت موروثة بين أبناء الطرفين.

ومن بين الذين ربطني بهم ولا زالت تربطني بها علاقة تربوية، المصونة العزيزة مي عبدالعزيز السديري التي أوجه إليها هذه الرسالة التي أعتبرها حقاً لها علي وإنصافاً لها وهي ترقد على سرير المستشفى، بل وتقريراً لما عهدته فيها أقول لك يا مي بعد إذنك لي في الإفصاح عما لمسته في شخصيتك قولاً وعملاً وفي أخلاقك وتعاملك -إنها انطباعات المتمرس الخبير الذي يقرأ ما بين جوانح طلابه ويفهم حناياها، وها أنا ذا أخاطبك يا مي قائلاً لك:

(أنت من برّ وسرّ وبشّر).

نعم أنت بارة بربك ودينك وبأمك وأبيك وبأهلك ووطنك ومعارفك ووظيفتك ومبادئك السامية، بارة بنفسك وبمكارم الأخلاق، بارة بالفضائل العشرة، والاستقامة والأمانة والوفاء بالعهد، بارة بالقرابة وغير القرابة، بارة بنعم الله التي أنعمها على البشر.

إنك سارة بكل تصرفاتك، لا يصدر عنك إلا ما يدخل الفرحة والسرور إلى قلب من هم حولك، تعرفين حدودك، تميزين بين الغث والسمين وتجري فرزاً للكلمات التي تنطقين بها بل وحتى النظرات التي تلقينها على الآخرين، كل ذلك ضمن موازين إلكترونية دقيقة، هي موازين المحافظة على مشاعر وأحاسيس الآخرين وعدم المساس بكرامتهم.

أنت مبشرة دائماً بالخير، لا تعرفين الشر بكل حركاتك وسكناتك البشرى الطيبة موجودة دائماً على لسانك، وبين شفتيك يرتفع صوت مبشر ليطرق أسماع الآخرين يحمل بشرى سارة وتظهر معالم الفرحة والسرور على وجه السامع قائلة لك بشرك الله بالخير يا وجه الخير.

عهدي بك أنك ليس لديك نزعة التسلط أو الظلم أو النفاق أو حب الدنيا كل ما تأملينه في حياتك هو أن تكوني إنسانة معطاءة، خيرة، ملتزمة بما أمر الله، متحاشية ما نهى عنه، متمسكة بوجدانية تتسع لكل من دخل دائرة معرفتك، بل وتبحثين عن وجوه الخير وأبوابه فتطرقيها غير هيابة ولا وجلة دون تردد تقومين بما يمليه عليك ضميرك وواجبك تجاه البشر والبشرية دون أن تنسي نفسك وواجبك تجاه أمتك ووطنك، تعملين بصمت ودأب ودراية وأمانة فتحققين إنتاجية تتفتح أزهاراً وتنعقد ثماراً - مقالات في الصحف، وكتب في التأليف وأية مقالات وأية كتب هي- مقالات مختارة تضعين النقاط على الحروف، تطرقين مواضيع قلّما يتطرق إليها الآخرون، وكتب قيمة في مضمونها تورثينها للأجيال القادمة.

متعتك في هذه الدنيا أن تعلي من شأن الآخرين وأن تعلمينهم كيف يسيرون على طريق الإنسانية الحقة، متعة روحية متصلة بسمو القيم والمبادئ والأخلاق وإن أمكن الارتقاء إلى مصاف الملائكة، هكذا أنت منذ أن تشرفت بمعرفتك، سباقة في إيصال الآخرين للمعالي والحياة السعيدة.

عرفتك فعرفت فيك الترفع عن الوضاعة والغرور والجبن والكبر والثرثرة والغمز واللمز والكبرياء والشح والبخل والأنانية والغضب والمكر والخداع والمراوغة والتجسس والغيبة والنميمة، عرفتك صفحة بيضاء خالية من البقع السوداء التي ترمز إلى اللؤم وحب الذات.

عرفتك فعرفت فيك الأمانة والإخلاص والوفاء والمحبة والصداقة والرزق الحلال وحب الحقيقة وكتمان السر والقلب والطيب وقوة الفكر والصبر على المكاره وكظم الغيظ والمصابرة والتواصي بالحق والعمل لما بعد الموت.

عرفتك فعرفت أنك مع الله ومع دينه، لا تشاهدين إلا الجمال في الآخرين، عرفتك فعرفت فيك الإيمان المطلق بالله متوكلة دائماً عليه راضية بقضائه وقدره محبة للمعرفة والحق، عرفت فيك العقل المحلل وعدم التسرع في الحكم، عرفت فيك سداد الرأي والحكمة والإرادة التي لا تنزع إلا إلى الحق والخير والجمال.

أنت.. أنت يا مي، عرفت فيك الوسطية، كل ما تقولينه أو تفعلينه يندرج تحت عنوان (لا إفراط ولا تفريط) تتعلمين من كل شيء، تنظرين إلى الجبل فتأخذين منه الشموخ والعلو والرسوخ، وتنظرين إلى الطيور المبكرة فتأخذين منها الجد والسعي والحركة في الحياة، وتنظرين إلى الأشجار فتأخذين منها تجميل البيئة وتنقيتها، أنت حكيمة في أقوالك وأفعالك سمعتك أكثر من مرة ترددين (لقد خلق الله لنا كل شيء لنتمتع به ضمن حدود الوسطية ونكون شاكرين لله الذي فضل علينا بكل تلك النعم)، تكررين دائماً دعنا نحب بعضنا البعض ونساعد بعضنا البعض كإخوة وأخوات وهذا ما يجب أن نكون عليه، إننا وحدة موحدة ضمن النواميس الإلهية، رأيتك فرأيت فيك الاعتدال والقصد في كل شيء والرقة في معاملة الناس، وقوة الذاكرة وسرعة الفهم وحضور البديهة، وطيبة النفس مبتعدة عن الصغائر.

أنت يا عزيزتي مي، قرأت في نفسك وعينيك التعامل مع الناس بالتسامح، وهل هناك أجمل وأرقى من خُلق التسامح، سماحة نفسك منارة هداية، أعلم أنك كمديرة للمعهد الدبلوماسي في الرياض وكمدرسة تتعاملين مع أناس ذوي نفوس مختلفة وطبائع متباينة وإرادات لا يتطابق بعضها مع بعض ومع ذلك فإن الأمور تسير بنجاح وسلاسة لا لشيء إلا لأنك تتمتعين بثقافة عالية وخبرة واسعة والأهم من ذلك تعتمدين مبدأ التسامح الذي يعزز عرى المحبة بين المدرسة والطالبة وهذا ما أدى إلى احترام وتقدير ومحبة طالباتك لك.

يا مي: عرفت فيك أن عيونك لا ترى الكأس فارغاً بل تراه ممتلئاً حتى نصفه، تشاهدين البدر بدراً ولا ترين كلفه وتشاهدين الورد ورداً دون أشواك لديك من الثقافة ما يؤهلك لأن تتكيفين مع الأوضاع الاجتماعية والطبيعية بسرعة مهما كانت غير ملائمة، تتقبلين المقادير بالرضا والتسليم مهما كانت مكروهة للنفوس.

أنت يا مي عرفت فيك طلاقة الوجه واستقبال الناس بالبشر ومشاركتهم بالسمع والفكر والقلب، مستعدة دائماً لمد يد العون للآخرين، تشاركينهم بمشاعرك وحواسك، حسنة المصاحبة، عرفت فيك الإحسان لأصناف من الناس تستدعي أحوالهم الاجتماعية أو قراباتهم أو الصلة بهم بالمسكن أو الصحبة، المساعدة، فكنت دائماً حاضرة.

عرفت فيك غيريتك، عطاء لا ترقبين منه العوض، صورتك في قلبي صورة رائعة ودقيقة، تحمل بين ثناياها مساعدة وعطاء وتكريماً واحتراماً وسهراً وصبراً ونصيحة وتواضعاً، كينونتك كينونة خلق كريم معطاء، حنو على الفقراء والمساكين تمسك بمكارم الأخلاق، أنعم الله عليك فأعطاك فضيلة الأخيار، لا تتوانين عن عمل الخير وحب الناس والصفح عن المسيء بل والإحسان إليه تعترفين بالخطأ دون تردد، تشكرين من أحسن إليك وتدونين ذلك في ذاكرتك، تمتلكين أسس الإحسان ونواصيه وحيثياته ومفاتيحه، تقبلين النقد وترحبين به، وهبك الله القدرة والإمكانية على بناء جسور الثقة بينك وبين من تتعاملين معهم، فهنيئاً لك بما وهبك الله وبورك لك بصحتك وعمرك.

لقد كتبت لك هذه الرسالة وأنت ترقدين على فراش المرض، ذلك الأمر الذي لا يسعني إلا أن أسأل الله خاشعاً أن يكرمنا جميعاً وأن يمن علينا بشفائك العاجل وعودتك إلى بيتك بالصحة والعافية، إن الله على كل شيء قدير وأمره بين الكاف والنون إذا قال له كن فيكون، يا رب إياك نسأل العافية والصحة للغالية (مي).

المخلص أستاذك: عثمان أحمد عمر



 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد