من البشر من يموت جسده ولا يموت علمه ولا تموت سيرته ومن البشر من يحيا جسده بين الأحياء ولكنه ميت القلب والروح لأنه ما تربى على العلم ولا نشر النور بين الخلق.
أبى الله إلا أن يكتب الذكر الحسن لأناس واراهم التراب وفارقوا الأحباب لأن في قلوبهم وصدورهم من نور القرآن والسنة الذي هو نبراس الحياة ودليل الحيارى {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ}.
فهؤلاء هم ورثة الأنبياء الذين ملؤوا الأرض نوراً بعلمهم وهدى بسيرتهم وأخلاقهم لقد فقدنا في هذه الأيام عالماً من العلماء: الشيخ العالم الفقيه صالح بن عبدالرحمن الأطرم رحمه الله الذي توفي عن عمر يناهز السبعة والسبعين عاماً ذلك العمر المبارك الذي قضاه في العلم والعمل به والدعوة إليه فكان خير قدوة لطلابه وللأجيال التي تربت على يديه واستضاءت بما معه من علم ونور.. لله در هذا الشيخ الذي ما ترك مجلساً إلا ورأيناه ناصحاً ومعلماً وما ترك موقفاً إلا وأعطانا فيه درساً وموعظة وعبرة نحيا بها.
وإذا أردت أن أتحدث عن صفات الشيخ وعن رحلة علمه وعن صفاته وأخلاقه التي قلما تتوفر إلا في العلماء الربانيين فلا يسعني المقال بل لا تكفي المجلدات في الحديث عن الشيخ ولا عن ترجمته العطرة.
لقد كان سمح المعاملة لين القول بشوش الوجه متواضعاً صبوراً على المصائب، وخير مثال تلك السنوات التي قضاها في المرض.
إن الشيخ صالح الأطرم - رحمه الله - كان من العلماء الذين يطبقون قبل أن يتكلموا ويعملون قبل أن يعلِّموا ولعل هذا هو سر القبول الذي حظي به الشيخ رحمه الله، نعم رحل الشيخ الذي تخرج على يديه الكثير من العلماء وطلبة العلم.
إن تلك النماذج الرائدة والصروح الشامخة والأعلام التي يهتدي بهم كل سائر لهي شاهدة على ما ورثه للأمة رحمه الله.
نعم لقد ترك لنا مجداً زاهراً وتاريخاً عريقاً في صروح العلم والدعوة.
نعم رحل ولكن ترك لنا نماذج فريدة تنير للناس الطريق...
إن وفاة أي عالم من العلماء الربانيين أمثال الشيخ صالح الأطرم لهو مصاب جلل وخطب عظيم على طلاب العلم والدعاة إلى الله خاصة وعلى الناس عامة كيف: لا وقبض العلماء هو قبض للعلم مصداقاً لحديث عبدالله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً، ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالماً، اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) رواه البخاري ومسلم.
فحري بنا أن نلتف حول سير العلماء وتراجم النبلاء وما أردت بمقالي هذا إلا أن يبحث القارئ عن ترجمة العلماء الربانيين ومنهم هذا الفذ الذي كان قدوة وأسوة لمن خلفه.
وما كتبته عن الشيخ ما هو إلا نقطة من بحر عن هذا العالم الشامخ في علمه وأخلاقه ليتعلم القارئ ويعلم الأجيال عن هؤلاء العظام الذين سادوا بعلمهم وورعهم وتقواهم.
اللهم اغفر له.. وارفع درجته في المهديين.. واخلفه في عقبه في الغابرين.
واغفر لنا وله يا رب العالمين.. وافسح له في قبره ونور له فيه.
إمام وخطيب جامع طلحة بن عبيد الله بمحافظة حفر الباطن