حين جلست على كرسي الطائرة.. كان الراكب الذي بجانبي قد وصل إلى المقاعد قبلي.
ألقيت عليه السلام فرده عليَّ بكل حفاوة ولأن الغريب للغريب نسيب فقد وجدت في حفاوته ما جعلني أقبل عليه وأحب الجلوس إلى جانبه.
وجلست على الكرسي المجاور له لا يفصل بيننا إلا المستند الذي يمكن رفعه، إذا ما أراد الراكب أن ينهض أو كانت الطائرة غير مزدحمة فيوسع الركاب على أنفسهم بالتمدد أو بالنوم.
لاحظت في البداية أن جاري في الطائرة مرتبك.. وما هي إلا دقائق من الجلوس إلا واكتشفت شيئاً آخر..
وهو أنه متشائم أيضاً فقد بادرني بعد جلوسي معه برهة من الوقت بسؤالي:
- هل أغلقوا باب الطائرة؟
قلت: لا
رد بتأوه وتأفف:
- أكيد سيتأخرون في إغلاق الباب!
- لا أظن
- هل هم ينتظرون أحداً؟
- لا علم لي.
ولأني على نياتي - كما يقولون - ولا أعرف طبيعته المتأففة فقد رحت أحدثه أن التأخير الذي يكون في حدود أربع دقائق أو خمس لا يُعد تأخيراً يُذكر.
هز رأسه بتأفف وسكت على مضض فجعلت أراقب الباب وحين رأيته قد أغلق فرحت وقلت له بلهجة المنتصر:
ها.. لقد أغلقوا الباب! هل ارتحت الآن؟
بمجرد إغلاق الباب ظننت أن هموم جاري قد انتهت لكنني فيما يبدو كنت متفائلاً أكثر من اللازم لأني لم أعرف نفسيته حتى الآن فبعد قليل والطائرة تسير على المدرج إذا به بنفس تلك النغمة المتأففة يسألني:
- إلى الآن ما أقلعت الطائرة!
- ستقلع إن شاء الله
- ولكنها إلى الآن تسير على الأرض
- مازال الوقت مبكراً
قال بعد ذلك بتحسر:
- الله أعلم.. ربما لا تستطيع الطيران
رددت عليه وقد بدأت أعصابي تثور رغماً عني:
- وما الذي يدريك
- لا يحتاج الأمر إلى شطارة.. لو كانت الطائرة سليمة لأقلعت منذ زمن.
- لماذا أنت مستعجل هكذا؟
- أنا فقط متخوف أن يكون بها أعطال لا سمح الله
رددت:
- لا سمح الله (ثم أضفت) هل تريدها بلمحة طرف أن تقفز إلى طبقات الجو العليا؟ الأمر يحتاج صبراً.. واستنفرت كل ما لدي من مخزون نفسي وشحنة عاطفية وأنا أقول له:
- يا شيخ توكل على الله قل: يارب..
وستسير الأمور على خير بإذن الواحد الأحد سبحانه.
رد:
- الله يستر.. الله يستر..
كانت الطائرة قد بدأت تشق أجواء الفضاء
ومكبر الصوت يردد بعذوبة وصفاء دعاء السفر..
دعاء ما أروعه.. وما أجمله.. وما أحسنه..
ومضيت أنا وجاري نردد أيضاً هذا الدعاء..
وكنت أنظر إليه بكثير من العتاب فلم يحدث حتى الآن ما يستوجب خوفه وقلقه، فلا الباب تأخروا في إغلاقه ولا الطائرة تأخرت في الإقلاع وليس هناك ما يستدعي واحداً بالألف من توقعاته التي لا أساس لها من الصحة، ولذا ظننت مرة أخرى وبعد هذا الوقت الجميل مع الدعاء النبوي الكريم أن قلق جاري قد توقف عند هذا الحد ففرحت وإن لم أستطع أن أمنع قليلاً من الشماتة أن تمتزج بتلك الفرحة.
ومع ذلك فسحنة وجهه وعبوسه جعلاني أدرك أن الكتاب يعرف من عنوانه وأن مهمتي في هذه الرحلة ستنحصر في تهدئة أعصاب جاري، وتقديم تعليل مناسب لكل شيء من الأشياء التي يسأل عن سببها.. ولذا رأيت أن أحشر وجهي بين صفحات مجلة الطائرة.. وعلى الرغم من أن هذا العدد قد قرأته في رحلة سابقة إلا أنه جاء رحمة من الله تعالى تكفيني المضايقات.. وأنا أقول بيني وبين نفسي: سبحان الله العظيم..
رجل بهذه التخوفات.. كيف له أن يعيش ويواجه الحياة بصعوباتها ومشكلاتها.