Al Jazirah NewsPaper Thursday  28/02/2008 G Issue 12936
الخميس 21 صفر 1429   العدد  12936
نخلة مزون *
فوزية الشدادي الحربي

عندما يفرش الفجر خيوطه على الأرض وأطراف المزارع يحمل بين يدين خشنتين معوله ويغرس ساقيه بالطين، يعدل المياه على أحواض القمح والبرسيم، كانت هذه الصغيرة مأخوذة بالقرية وأصوات الأغنام والمزرعة؛ فهي لا ترى ذات الشيء في مدينتها وبيوتها المغلقة.. كانت تتبعه أينما يكون، تتقرفص أمامه وهو يضرب الأرض بكل قواه.. تحدثه عن مدرستها وحارتهم وعن ذلك الولد الشقي الذي يتبعها حيث دكان أبي سعود..

وهو يشرب كل تفاصيلها وأحاديثها الطفولية.

قالت: دعني أحمل المسحاة، أريد أن أداعب الأرض كما تفعل، لكنها لم تستطع، حملها وضحك كثيراً عندما تلطخت أطراف فستانها وتلونت ساقاها بالطين.. اختارت لها نخلة صغيرة قالت له:

هل لي أن أسميها (مزون) لا تدعها تمت أبداً.

واستطردت بحديثها، وقالت:

الأولاد بالمدينة لا يجيدون إلا تكسير النوافذ الخشبية، لكنهم أيضاً يستحمون بالرغوة الفرنسية. ضحك ثم جلس على جذع نخلة مقطوع.

قال وهو يبتسم: نحن نستحم بحرقة الشمس، وتفوح من أجسادنا رائحة الطين..

تغيب الشمس وهو يحدثها عن رحلات صيدهم. كانت تشهق مع كل مغامرة يضخمها ويسهب في تفاصيلها..

كان يتشوق وينتظر إجازة المدارس ويرقب الطريق الطويل ليلاً ونهاراً..

وعندما حضرت في هذا الصيف، كانت تلتف بعباءتها خلف أمها، نظر إليها بسرعة، يعرفها تماماً، يعرف ملامحها، يتخيل نظرات عينيها، يتذكر جيداً تلك الفلجة بين أسنانها التي تزيد ابتسامتها حلاوة.. لكنها تبدو أطول من قبل وأكثر استدارة.. اختلس نظرة سريعة ثم تنهد وزفر وحدث نفسه.. ياه.. يداها البيضاوان الممتلئتان..

بادرها بالسلام ولم يسمع ردها، كان الخجل يحتويها..

هو يسهر في مجلس الطين وهي في غرفة البنات، كان يخيل له أنه ما زال يسمع حديثها وقصصها الشيقة.. خيم الظلام على قريتهم الهادئة..

ينام الجميع حيث كانوا يتسامرون، لكنه يذهب ويجيء بالبرجة، يقترب من الغرفة، يشم أنفاسها بزحمة الأنفاس..

كان يستمتع بوجودها، ويشعر بأن كل الأشياء حوله ترقص وتغني..

يوم عودتهم للمدينة، يلف ذراعيه حول قلبه حتى لا يفر من بين أضلعه، يرقب بألم حقائبهم المغلقة وهي تعبره، ويراقب عربتهم حتى تصغر وتلتهمها البيوت، وشجيرات النخيل الباسقة والطريق الأسود..

ذهب لحضن والدته، سألها هل ستأتي خالتي وبناتها بالعطلة القادمة؟

مسحت على رأسه وقالت: بالتأكيد لكن ستنقصهم (مزون).

عرف بحدسه أنها ستكون غارقة بالرغوة الفرنسية..

ذهب لنخلتها وجدها تنحني باستحياء ناحية الأرض..

لف شماغه المهترئ حول رأسه والتوى على آلامه

وهب يعزق الأرض.. علها تطرح له نخلة جديدة

تلتف جذورها بجذور نخلتها الموغلة بقلبه.

* عن مجموعتها القصصية الجديدة
(ليتني ما تلوثت بك).



 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد