Al Jazirah NewsPaper Thursday  06/03/2008 G Issue 12943
الخميس 28 صفر 1429   العدد  12943
ليلة من العمر!
إسراء أحمد الراشد - الرياض

كانت ليلة باردة.. رطبة.. عاصفة تلك التي غادر فيها والدي في رحلة عمل ليستقر شهراً كاملاً في إحدى المدن العربية الشقيقة بعد أن اتخذ مختلف التدابير التي تكفل لي الأمن والسلامة!

كنتُ وحيدة في المنزل أنتظر عودة أمي التي غادرت - هي أيضاً - قبل بضع ساعات لحضور حفل زفاف إحدى الصديقات.

جلستُ على مقربة من المدفأة، بعد أن فتحت التلفاز، وأنشأتُ أقلّب نحو المحطات الهادفة التي تبعث بموضوعاتٍ قيّمة، والتي تثير اهتمامي أكثر ما تكون الإثارة!

بينما كنتُ أهيئ ذهني للاستماع والاستفادة، سمعتُ صوتاً غريباً يدعو إلى الخوف!.. شحب وجهي!

- (أيعقل أن تكون فكرة وجود) شبح (قريبة من منزلنا؟!)

ولكن سرعان ما أعرضتُ عن (هذه الفكرة) واسترسلتُ في متابعة برنامجي المفضل، والشك في وجود (تلك الفكرة) لم تزل واردة! حتى ظهر هذا الصوت مرة أخرى! اهتززتُ من مكاني فجأة، وقد تغصّن وجهي في انطباعة تنم عن رعب وقلق!

- (مهلاً!.. إني أسمع شيئاً!.. إنها أشبه بخطوات شخصٍ ما!)..

لقد تبددَتْ جميع الشكوك، وانتقلتُ من عالمٍ جميل وهادئ، إلى عالم يجوب فيه الرعب والقلق! كان الصوت الذي أسمعه يقوم على مقربة من منزلي..

كان الوحل كثيفاً على حصباء الشوارع، وكان الضباب الأسود يتدلّى فوقها، وهطل المطر على نحوٍ مخيف، وكان كل شيء بارد الملمس، لقد بدت تلك الليلة وكأنها أكثر الليالي ملائمة لخروج مخلوق مخيف وبشع ليقتحم المنزل اقتحاماً بوحشية.. وبلا رحمة!!

هممتُ أن أراقب خلف الباب، وعيناي تكادان تقفزان من محجريهما من شدة الخوف، كنتُ أسمع خطوات هذا المخلوق البشع تنسل خلسة أمام المنزل، زاحفاً في محاذاة الجدران والأبواب، وكأنه يدرس كيفية الدخول عبر هذه الجدران!

همستُ والخوف جليّ في حواشيّ: (هل انبثق هذا المخلوق الغريب من الوحل والظلمات؟!)..

واصل زحفه وتواصلَتْ خطواته البطيئة.. المخيفة، يزحف نحو اليمين، ثم ينعطف نحو اليسار، فيعود نحو اليمين! كان واضحاً أن هذا المخلوق يعرف أنه لا أحد سواي في هذه الساعة يسكن المنزل! حتى سمعتُه يهمس.. كلمات لم أفهمها!

واستجمعتُ شجاعتي.. وتساءلت بصوتٍ واهن : (من هناك)؟

لم يجب! فقررت أن أختلس النظر عبر النافذة لعلي أرى شيئاً، ورغم أنها ليلة حالكة الرؤية، إلا أني استطعت أن أكشف شيئاً وسط بهيم الليل..

- (إنه رأس لجسد ينم عن ضعف وعجز)! وأعيد النظر بين الفينة والفينة، وأرمق بعينيّ لتأكيد ما رأيت، وماذا أرى!!

- (يا إلهي!)

إنه رجل عجوز، رث الملبس، وسيء المنظر، متعب الجسد والروح، يزحف رغم الوحل والظلمات، بحثاً في النفايات عن قاذورة عامرة يصيب منها عشاءه!

فارتحل الخوف في نفسي، وسكن مكانه شعورٌ بالشفقة.. غير قليل!

- (يا إلهي! ليتني ما رأيت الذي رأيت)!! لقد أورثني ذلك إحساساً بالضيق والكآبة.. والألم! وقد كُسِر قلبي كسراً كسرا !

فتحتُ نافذتي.. وهمست له:

- (عماه.. يا عماه)..

لم يسمع.. فأعيد النداء بعلو الصوت عله يسمعني هذه المرة:

- (يا عماه.. يا عماه)..

حتى أصاب من النفايات عشاءه تلك الليلة! وبدأَتْ خطواته الواهنة تبتعد، وبدأ الصوت الذي أحدثه بالتلاشي شيئاً فشيئاً!

- (مهلاً أرجوك يا عماه انتظر.. أريد أن أقدم لك طعاماً وشراباً وكل ما تحتاج إليه.. أرجوك انتظر)..

فإذا به يغوص وسط متاهة من الطرق المبللة.. المظلمة، حتى حُجِب تماماً عن الرؤية!

عدتُ إلى مكاني، جلستُ أمام التلفاز، وعيناي مركّزتان على التلفاز الذي يذيع كلمات لا أسمعها، وكأن بي صمماً عن كل ما يجري! فيا لوقع ما رأيت في نفسي! أنشأتُ أخوض في موجة غامرة من التساؤل الغريب:

- (ماذا سيحل بهذا العجوز المسكين؟ وهل سيصيب عشاءه كل ليلة من نفايات الشوارع؟! هل لديه أبناء؟ أين هم؟ وهل لديه مكان يقطن فيه؟.. ليته يأتي مرة أخرى ليصيب مني ما تيسّر من مأكلٍ ومشرب وملبس..)!

يآااه.. مشاعرٌ غريبة متضاربة تخالجني وأنا أنظر إلى ما حولي من غير أن أحرك رأسي تقريباً، هناك أثاث فخم.. طعام.. وشراب.. مال.. أمن.. وهناك كل ما يجعل المرء سعيداً رغداً..

- (مهلاً !!.. ألا يستحق ذلك أن أقف ولو لبرهة، لأحمد الله وأشكره على عظيم نعمِهِ؟.. ألا يستحق ذلك؟!!)

ثم استقرّتْ عيناي مرة أخرى إلى التلفاز، والمشاعر تتضارب في أرجائي.. ذاهبة.. جائية!!!

حتى سمعتُ صوت المفتاح عندما يولج في قفل الباب،.. إنها أمي!

- (السلام عليكم)

- (... وعليكم.. السلام!)..

- (ألم تنامي بعد يا عزيزتي؟!)

صامتة.. أنظر إليها!

- (آه! يا للبرد القارص)!

خلعَتْ عباءتها المبللة، وألقتها فوق أحد الكراسي الفخمة..

- (يا له من حفل زفافٍ رائع.. لقد اِلتقيتُ بفلانة التي لم أرها منذ سنوات خلت.. آه نسيت إخبارك يا عزيزتي.. فإن فلانة تقرؤكِ السلام وتشتاق لرؤيتك وكم تمنّتْ أن تلتقي بك الليلة.. و.....)

ويتلاشي صوت أمي شيئاً فشيئاً، ليظهر صوتٌ في نفسي خفيّ:

- (.. ألا يستحق أيضاً.. أن أحمد الله على هذه الأم الطيبة.. وهذه العائلة الرائعة التي خُلِقَتُ فيها)؟؟

(اللهم ما أصبح بي من نعمةٍ أو بأحد من خلقك فمنك وحدك، لا شريك لك.. فلك الحمد.. ولك الشكر).




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد