Al Jazirah NewsPaper Sunday  16/03/2008 G Issue 12953
الأحد 08 ربيع الأول 1429   العدد  12953
عزاؤنا فيك أبا عبدالكريم الذكريات التي لا تنسى

عبدالرحمن بن سليمان الرويشد

حين فجعني نبأ رحيل الصديق العزيز والعالم الأديب، الشيخ حمد بن إبراهيم الحقيل، ملك عليَّ الحزن كل أمري، فالتاع قلبي وخفق فؤادي، وفاضت عيني بالدمع، وحق لها ذلك، إذ ليس بعد رحيل الأحبة مصيبة خاصة إذا كان لأولئك الأحبة مثلما للشيخ حمد عندنا من محبة وتقدير وإعزاز.

غير أنني أدركت أن الكتاب قد بلغ أجله، فاسترجعت وتمثلت لناظري تلك الحقيقة الأزلية، فواسيت نفسي مذكراً إياها أن تلك إرادة الله، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

لقد استجابت نفس الصديق المطمئنة لنداء ربها، فترجل صاحبها راحلاً عن هذه الدنيا الفانية إلى دار الخلود الباقية، راجياً رحمة ربه التي وسعت كل شيء، مخلفاً أهله وأصدقاءه وقائمة طويلة عريضة من مريديه الذين طالما حملوه في سويداء القلوب، بعد أن عرفوه فأحبوه، فكان لا بد - والحال كذلك - أن يتألموا لفقده، ويحزنوا لرحليه، وإن كانوا يدركون أن تلك غاية كل حيّ، ولسان حالهم يقول: رحل الصديق، ففقدنا برحيله أخاً وديعاً في وده، صادقاً في تعامله، رفيعاً في أخلاقه، هاشاً باشاً في لقائه، زاهداً في كل شيء من حطام هذه الدنيا.

أجل.. ترجل اليوم الراوية والمؤرخ المتمكن بعد حياة حافلة بالعمل والمثابرة، بعيدة عن التغالي والكبر والتطلع إلى ما في أيدي الناس.

كان عارفاً قدر نفسه، مدركاً قدر الآخرين، لم يبخسهم حقاً قط، ولم تحدثه نفسه يوماً بالنيل منهم، فهم حتى وإن اختلفوا معه مقربين منه. لذا اكتسب حب الجميع حتى أولئك الذين اعتادوا البخل بحبهم لأقرب الناس إليهم.

قضى شيخنا وصديقنا الراحل زمناً طويلاً من حياته في الدراسة وتحصيل العلم على أيدي كبار العلماء في المجمعة والرياض، وتحت إشراف جهابذة الفقه والعلوم الشرعية واللغوية كالشيخ عبدالله العنقري قاضي المجمعة السابق، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ صالح بن عبدالعزيز، والشيخ محمد بن عبداللطيف وغيرهم كثير، حتى تأهل للقضاء الشرعي ومن ثم عين قاضياً في أكثر من إقليم وبلدة في أنحاء المملكة العربية السعودية.. إذ كان قاضياً مرموقاً في (الخرمة) ثم (ضرما) وأخيراً في (الخرج)، فحظي بمكانة كبيرة لدى قادة هذا البلد ولدى زملائه من العلماء وطلاب المعرفة بل حتى لدى عامة الناس وخاصتهم!!

وبجانب هذا ألف فقيدنا الغالي في التاريخ والأدب والأنساب، وذاع صيت مؤلفاته حتى أعيد طباعة بعضها أكثر من مرة، بالإضافة لهذا كله كان شاعراً مبدعاً جيد الشعر متفوقاً في قرض أنواعه بشقيه (الشعر العربي الفصيح والشعر العامي النبطي)، حافظاً لآلاف الأبيات من الشعر القديم والحديث.

ومن الخصائص التي انفرد بها أن ذاكرته القوية كانت تسعفه دائماً بإيراد ما يشاء من تلك الأشعار عندما تتطلب مناسبة ما إيراد مثلها لتطابق الحدث والحديث، وتنزل الواقعة على الحدث دون تكلف.

وكانت له جلسات علمية أدبية فرائحية في داره العامرة بالرياض دامت حتى وفاته، كان يمزج فيها بين الجد والهزل معتقداً أن ذلك أدعى لديمومة التواصل بين الأصدقاء والأدباء والإخوة الصادقين، وكان سرعان ما يحفز كل من حوله من الحضور في المشاركة، فيدور الجميع في فلكه مبتهجين يشاركون بفاعلية وانسجام، وقد شهد بهذه الخصوصية كل من ارتاد مجالسه التليدة التي كان يؤمها الكثير من العلماء والأدباء والأصدقاء من عارفي فضله، فيكون بينهم واحداً منهم يلهم دون توجيه.

ومع هذا كان نموذجاً رائعاً في التواضع ونكران الذات، قوي الملاحظة، غزير المعرفة، عارف بدقائق اللغة والشعر، لا تذكرُ بيتاً من الشعر مطروقاً إلا وابتدرك بما قبله أو بما بعده من أبيات، ولا تبتدر طرفة إلا زودك بأمثالها مما لا يخطر على ذهنك أبداً!!

لا يعرف الحقد طريقاً إلى نفسه ولا إلى تعامله وسلوكه، كريم السجايا حسن المعشر، أبعد ما يكون عن الغيبة والنميمة وسيئ القول والفعل.

وإذ أسوق هذا الحديث في هذه العجالة الخاطفة، أشعر من الأعماق أن نشر هذه الذكريات عن راحلنا العزيز قد تسعد وتبهج، لكنها في الوقت نفسه تشجي وتحزن، غير أنني أردت باستعراضها إضفاء شيء من العزاء والسلوى على محبيه وأصدقائه وذويه.

لقد كان أكثر ما يشد إليه ما كان يملكه - رحمه الله - من مزايا ضرورية لاكتساب القلوب وجذب الأصدقاء، إذ كان هادئ الطبع، مهذب التعامل يستمع إليك بإنصات، ويحدثك بودية فتأنس بحديثه وترتاح إليه حتى وإن كان يطلق أحياناً السخرية على من يتحدث معه ثم يتبعها بنكتة تزيل كل أثر لما يمكن أن يحز في النفس، فامتاز بهذا عن غيره!!

وكان من دأبه انتقاد إنتاج الغير، لكن دون حقد أو إجحاف أو مس بالمشاعر.

وقد ترك الراحل موسوعة من المؤلفات القيمة في الأنساب والتاريخ والأدب، ومكتبة في داره تحوي مجموعة نادرة من المخطوطات والمطبوعات. وقد راجع وصحح ومهد للعديد من دواوين الشعر المحلية، كما راجع بعض كتب التراث فأضاف الجديد.. واشتملت تعليقاته على بعض الكتب ما يمتعك ويضيء لك ما حولك بما يضفيه عليها من روحه الزكية، ومع ذلك لا يرى بأساً إلا يشار إلى أنه مصدر ذلك التعليق والإفادة، فالمهم عنده أن تكون المعلومة صحيحة!!

ولئن كنت قد استعرضت شريطاً قصيراً من الذكريات المضيئة عن فقيدنا العزيز باقتضاب فأرجو أن أجد لنفسي العذر لأنها لم تكن قد فاقت بعد من فاجعة خبر رحيله. على أمل أن تكون لي معه في المستقبل وقفات أكثر شمولاً واتساعاً وبعداً، فقد جمعتني به صداقة طويلة توجب له ذلك عليِّ.

وعذري في هذا الاختصار - كما أسلفت - أنني لم استجمع قواي بعد من هول الصدمة الأولى لما يحتله الراحل في نفسي وفي نفوس أصدقائه من مكانة استحقها بجدارة عجزت معها الكلمات عن التعبير عن الحزن العميق، فضلاً عما يستحقه من تأبين.

أما وقد استأثرت قدرة الله التي لا راد لها بفقيدنا، فلله ما أخذ وله من أعطى، وكل شيء عنده بمقدار. ولا نملك إلا أن نقول: رحمك الله أيها الزميل الراحل، وأسكنك فسيح جناته، وجبر مصيبتنا وألهم أهل بيتك الصبر والسلوان. و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.






 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد