دعوني أحدثكم عن تلك الليلة بكل هدوء يا سادة، فقد كانت ليلة من ليال الأعراس الثقافية المميزة. |
وكان فارسها سليمان العيسى.. |
ذلك الشاعر الذي أقبل من النعيرية شمال سورية وهو يعتمر قبعته المميزة راية المهاد الأبيض للطفل الرعبي، أو هي ندف الثلج فوق الجبل المهيب. |
بدا على منصة الإلقاء شيخاً كبيراً طحنته السنين وهو يبحث عن ثقب في الجدران السوداء، ولم يمنعه ذلك من أن يقود عربته المليئة بالمشاعر بكل حيوية، وصفق له الحضور في أكثر من منعطف. |
|
تلك أغرودة النبوة، فاسعي |
يا ربى الخلد، واحضني بالغار |
أحسست بالصدى يجلجل في الوديان والشعاب، ورأيت الأحجار والأشجار تلتفت صوب أم القرى، وأبصرت الكون قد تفتق عن جسد ينبض قلبه من جوف الغار. |
لقد عبقت بشعره مضارب عنترة والأعشى وامرئ القيس، كما هزجت به أفواه الصغار في خيامهم العربية المترامية. |
طلب منه أحدهم أن يقوم بإلقاء شيء من شعره الذي نسجه للطفولة.. فابتسم.. ووافق بشرط أن يردد معه الجمهور.. ويهز الحاضرون رؤوسهم موافقين.. ويصدح قائلاً: |
عمي منصور النجار |
يضحك في يده المنشار |
ويردد معه الحضور بحماس في ترنيمة عذبة ونادرة |
وأنهكه الكبر حتى ألقاه واهناً متعباً في قصة تتحدث عنها تجاعيد وجهه وانحناءة ظهره وصوته المرتعش |
هذا وإنني لن أنسى أن أعرج على الركن الذي نهضت به أيضاً قبة الأمسية الأستاذ إبراهيم التركي. |
كنت أتابع معجباً ما يكتبه في الصحف أو في كتبه المطبوعة ولكنني لم أستمع له يوماً ما.. |
وحينما بدأ تقدمته للشاعر تمنيت لو أقيمت له أمسية خاصة حتى أستمتع بصوته وهو يلقي بيت الشعر مفصلاً مرسوماً ويخرج الحروف مصقولة راقئة. |
لقد أضاف وجوده لوناً أساسياً في لوحة تلك الليلة.. لست وحدي من اعتقد ذلك.. فلقد وقعت بين عيني حادثة نادرة تضاف إلى سيرته إن أزمع التاريخ يوماً كتابة سيرته. |
فحينما أنهيت توقيع نسختي من الديوان بين يدي الشاعر تسللت إليه لأصافحه وأهنئه على روعة إلقائه وحسن اختياره للأبيات التي حملنا من خلالها إلى روح الشاعر ابتداء والأول يقول: |
قد عرفناك باختيارك مذ كان |
دليلاً على الحصيف اختيار |
رأيته وسط زحام الواقفين يدافع بلطف رجلاً طلب منه أن يوقع له على طرة ديوان أنا والجزيرة العربية للشاعر سليمان العيسى! |
وهو يقول له مبتسماً: كيف أوقع عليه! ذاك هو الشاعر.. |
ولكن الرجل قال له بكل صراحة: أعلم ذلك.. ولكنني أريدك أن توقع عليه لأنك قمت بالتقديم للأمسية بشكل جميل.. |
ووافق الأستاذ وهو يبتسم وكتب له عبارات الشكر على حسن ظنه ووقع له. |
لم أعهد أن يوقع عريف الأمسية على كتاب الشاعر نفسه! ولكن الأستاذ إبراهيم فرض بحسن اختياره وبجميل إلقائه نغمة فريدة تسربت بها أبيات الشاعر نحو القاع بلا شعور. |
لا أظن أن ذلك الرجل سيكتب هذا الموقف عنه، كما أستبعد أن يكتبه هو عن نفسه، ولكنني كنت شاهداً على ذلك.وأنا ألقيته من هنا في صدر التاريخ. |
مبارك المحيميد |
|