Al Jazirah NewsPaper Friday  21/03/2008 G Issue 12958
الجمعة 13 ربيع الأول 1429   العدد  12958

نوازع
حفصة الركونية
د. محمد بن عبدالرحمن البشر

 

في تاريخ الأندلس كثير من العجائب من مآس ومباهج، قطفت منها زهوراً وبقيت أزهار كثيرة، ونفحها يملأ نفسي بهجة، وسلوكي عبرة، فمن الحكمة الاعتبار بالآثار، وتوسيع المدارك والاستبصار.

وقد أرسل قلمي فيضه للكتابة عن مآسي الأندلس ومباهجها، وآمل أن أوفق في شأوي وأنال بغيتي، راجياً أن يكون الله في عوني. وأثناء القراءة في أمهات الكتب عن تاريخ الأندلس مثل: المقتبس والقلائد، والذخيرة، والنفح، والبغية، والمغرب، والجذوة، والقدح المعلى. وغيرها كثير، لا يمكنك الوقوف عند حد أو الارتواء من منهل، ولذا فباب الاستمتاع مفتوح.

ومن خصائص الأندلس والأندلسيين ظهور شواعر يجاهرن بشيء من الشعر الذي تتجنبه شواعر المشرق ومن أولئك الشواعر الأندلسيات حفصة الركونية، وهي شاعرة أديبة مشهورة بالجمال والحسب والمال، من أشراف غرناطة، فصيحة الشعر، رقيقة النظم والنثر، وكانت بينها وبين أبي جعفر أحمد بن عبد الله بن سعيد العنبس محبة فائقة، فكانا يتجاوبان تجاوب الحمام، ولما استبد والده عبد الملك بأمر القلعة حين ثار أهل الأندلس على المرابطين في نهاية عصرهم، وثار الموحدون اتخذه أبوه وزيراً. وبعد تولي الموحدين انضم والده تحت لوائهم وسعى إلى أن يكون ابنه أبو جعفر كاتباً لأبي سعيد بن عبدالمؤمن ملك غرناطة، فأحب أبو سعيد بن عبدالمؤمن حفصة، وكان هذا الحب سبباً في هلاك حبيبها القديم أبو جعفر أحمد عبدالله بن سعيد العنبسي. وأراد أبو جعفر لقياها وكانت لديه روضة اسمها الكمامة فماطلت شهرين، ثم كتب لها:

يا من أجانب ذكراه

وحسبي علامه

ما إن أرى الوعد يقضي

والعمر أخشى انصرامه

لو قد بصرت بحالي

والليل أرخى ظلامه

أنوح وجدا وشوقاً

إذ تستريح الحمامه

فأجابته:

يا مدعي في هوى الحسن

والغرام والإمامه

أتى قريضك لكن

لم أرض منه نظامه

بالله في كل وقت

يبدي السحاب انسجامه

والزهر في كل حين

يشق عنه كمامه

لو كنت تعرف عذري

كففت عني الملامه

ووجهت هذه الأبيات مع موصل أبياته، بعدما لعنته وسبته، ولما أطل الساعي على أبي جعفر قال له: ما وراءك يا عصام؟ قال: اقرأ الأبيات تعلم، فلما قرأ الأبيات قال لعاصم: ما أسخف عقلك وأجهلك، إنها وعدتني في روضة الكمامه سر بنا إليها، فما كان إلا قليلاً وإذا بها قد وصلت، وأراد عتابها وأنشد:

دعي عد الذنوب إذا التقينا

تعالي لا نعد ولا نعدي

وجلسا على أحسن حال، وإذا برقعة من صديق له يقال له الكندي قال فيها:

أبا جعفر يا ابن الكرام الأماجد

خلوت بمن تهواه رغماً لحاسد

فهل لك في خل قنوع مهذب

كتوم عليهم باخفاء المراصد

فقرأها حفص، فقالت: لعنه الله، قد سمعنا بالوارش على الطعام (الذي يدخل والناس على الطعام، والواغل على الشراب)، ولم نسمع اسماً لمن يعلم باجتماع محبين، فيروم الدخول عليهما، فقال لها: بالله سميه لنكتب له بذلك، فسمته الحائل، لأنه يحول بيني وبينك إن وقعت عيني عليه فكتب له في ظهر الرقعة:

يا من إذا ما أتاني

جعلته نصب عيني

تراك ترضى جلوساً

بين الحبيب وبيني

إن كان ذاك فماذا

تبقى سوى قرب حيني

ثم عاد وكتب على الرقعة:

سماك من أهواه حائل

إن كنت بعد العتب واصل

مع أن لونك مزعج

لو كنت تحبس بالسلاسل

فلما رجع إليه خادمه الذي أوصل الرقعة وفيها الرد، وجده قد وقع في بركة نجاسة فعاد الخادم إلى حفصة وأبي جعفر وأخبرهما الخبر، فكاد أن يغشى عليهما من الضحك.

وكتبت مرة إلى أحد أصحابها شعراً فقالت:

أزورك أم تزور فإن قلبي

إلى ما تشتهي أبداً يميل

فثغري مورد عذب زلال

وفرع ذوائبي ظل ظليل

فعجل بالجواب فما جميل

إباؤك عن بثينة يا جميل

ونختم بهذه الأبيات رحمهم الله جميعاً وعفا عنا وعنهم.

لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6227 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد