Al Jazirah NewsPaper Friday  21/03/2008 G Issue 12958
الجمعة 13 ربيع الأول 1429   العدد  12958
نبض المداد
اهتمام.. ولكن!!
أحمد بن محمد الجردان

مما يُسأل عنه المرء يوم القيامة عمره فيما أفناه، وهذا العمر ما هو إلا ساعات وثوان وهي ما نسميه الوقت، ولو جاءنا شخص من خارج مجتمعنا فرأى للوهلة الأولى اهتمامنا بالساعات، سواء تلك التي نضعها في أيدينا أو التي نضعها في مجالسنا ومكاتبنا ومياديننا، بل وتلك التي نضعها بكل عناية ورعاية واهتمام أتعجب منها على يمين وشمال محاريب مساجدنا، وكأنه قد ورد نص من الكتاب أو السنة أو من أقوال أهل العلم يلزمنا بوضعها!!

المهم لو جاءنا ذلك الشخص وشاهد ذلك الاهتمام الكبير والكبير جداً بهذه الساعات لتوقع أننا أشد الناس حرصاً على الوقت، وأننا نحاسب أنفسنا ومن نتعامل معه على الوقت أشد المحاسبة، وأننا لا نضيع من الوقت شيئاً!! ولكن وآهٍ مما يأتي بعد لكن هذه !! يبقى الواقع يكذب ذلك الاهتمام الشكلي بالوقت، فيا ليت شعري ما حالنا مع الوقت ؟؟!! إنه واقع مؤسف مؤلم، ففي الغالب نضيع الوقت بل نقتله قتلا وكأنه عدو لدود وهو في الحقيقة حياتنا!!، تجد منا من يضيع الساعات الطوال فيما لا يفيد في القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت، بل ثمة منا من إذا دعوتهم لمناسبة اجتماعية جاؤوك بعد مضي الوقت دون إدراك منهم للوقت.

الاهتمام بالوقت ليس من سمات المجتمع الغربي فقط، بل هو سمة من سماتنا نحن المسلمين؛ فمنذ أكثر من ألف وأربعمائة عام وديننا يأمرنا باحترام الوقت، فقد عُني القرآن والسنة بالوقت، فقد أقسم الله به في مطالع سور عديدة بأجزاء منه مثل الليل، والنهار، والفجر، والضحى، والعصر، والله تعالى إذا أقسم بشيء دلَّ ذلك على أهميته وعظمته، وقد جاءت السنة لتؤكد على أهمية الوقت، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه) رواه الترمذي، أما سلف هذه الأمة فها هو ابن مسعود رضي الله عنه يقول: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي)، أما الحسن البصري - رحمه الله - فيقول: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك، وقال أيضاً: يا ابن آدم، نهارك ضيفك فأحسن إليه، فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمِّك، وكذلك ليلتك، كما قال: الدنيا ثلاثة أيام: أما الأمس فقد ذهب بما فيه، وأما غداً فلعلك لا تدركه، وأما اليوم فلك فاعمل فيه. وقال ابن الجوزي - رحمه الله -: ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربه، ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل. وقال ابن القيم: إضاعة الوقت أشد من الموت، لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها).

ولعلي أختم بذكر مواقف لعلمائنا المعاصرين، وأكتفي نظراً لضيق الوقت بذكر موقفين:

الأول: لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - حيث إنه من أشد الناس حرصاً على استغلال الوقت، ومن ذلك أنه في أثناء استماعه لسؤال المستفتي تجده يذكر الله، أما الموقف الثاني فهو لفضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين - رحمه الله- حيث يذكر عنه أن رجلا طلب منه موعداً فواعده بعد عام، وبعد عام كامل جاء الشيخ في الوقت المحدد, والمكان المحدد واليوم المحدد للموعد، وإذا بصاحب الدعوة لم يكن موجوداً؛ حيث نسي الموعد، فاتصل به أهله ليذكروه بموعده مع الشيخ وأن الشيخ ينتظره في مجلس الدار، وهذا دليل على حرص الشيخ - رحمه الله- على الوفاء وعلى الوقت.

نخلص إلى أن الوقت هو الحياة، وأننا مسؤولون عنه يوم القيامة لا محالة، وأننا قد سبقنا الغرب في الاهتمام به، وأن بيننا علماء وفضلاء - رجالاً ونساءً - يعرفون الوقت وأهميته، ومادام أن بيننا محافظين على وقتهم فذلك يعني أن الحفاظ على الوقت ممكن، وليس بمستحيل كما يصوره البعض - مع الأسف الشديد.



amaljardan@gmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد