Al Jazirah NewsPaper Monday  31/03/2008 G Issue 12968
الأثنين 23 ربيع الأول 1429   العدد  12968

عاشقة الذكريات

 

أكملت المرحلة الثانوية وهأنا على أعتاب الجامعة، تقدم لخطبتي ابن جيراننا سابقا وكان صاحب خلق ودين ووظيفة مرموقة ومركز ولا نزكي على الله أحد، طبعا سيتبادر إلى ذهنكم أن الأمر أحيل إلي لمعرفة رأيي في الموضوع، ولكن بكل أسف لم أعلم بخبر الخطبة إلا عن طريق الصدفة - كما يقال - بعد أن رد الخاطب طبعا فوالدي متوف وإخوتي رفضوه بحجة أنه ليس كفء لنا في النسب حزنت كثيرا لدرجة أنني مرضت مرضا استمر شهورا، ويعلم الله أنني لم أره منذ أن انتقلنا عن منزلنا القديم، وكنت حينها في العاشرة من عمري وهو يكبرني في السن طبعا، فقد كنت ألعب مع أخته. وأمه دائما تردد وتقول له أمامي - إن كبرت سأخطبها لك - كل هذا لا يهم، ولكن الذي يهمني أنه شغل قلبي كثيرا فقد أحببته - نعم أحببته - صحيح أنه لا يعلم بمشاعري ولكن رقص قلبي فرحا حينما علمت أنه خطبني وضاقت بي الدنيا حينما علمت أن أخوتي رفضوه، نعم أعلم ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن الله لم يكتب لهذا الزواج أن يتم، لكن قلبي معلق به، ولم أستطع نسيانه، وما يزيدني حسرة أن حجة إخوتي واهية فقد تزوج أحدهم من نفس عائلته، فهل هو مباح لهم ومحرم علينا أم ماذا؟!

وسؤالي الآن: كيف أتخلص من محبته في قلبي؟ فقد مر على هذا الموضوع ثلاث سنوات وكلما تقدم لي خاطب بدأت أقارن بينهما فأرفض المتقدم لأنه ليس مثله مع أن ابن جيراننا تزوج من أخرى.. ساعدوني فأنا أعيش في عذاب.

الرد:

ابنتي الكريمة كتب الله لك الخير وسهل أمرك قرأت رسالتك متأملا متبصرا.. ولا أخفي تعاطفي معك فأنت بشر من لحم ودم ولك مشاعر وأحاسيس ولك قلب ينبض وروح تهفو للحب.. ومع هذا لا أجد للحياة معنى وقيمة بدون عقل يرصد الأمور ويقيمها فالقلب والعقل حارسان أمينان متى تعاضدا وحضرا في جميع مشاهد الحياة..

إن النفس البشرية مستودع ضخم للمشاعر والعواطف والأحاسيس وفضاء واسع من المكونات والمتغيرات ودعينا نحلل سويا وضعك أختي.. قلتِ إن في قلبك عاطفة جياشة تميل نحو هذا الرجل وأفصحت عن تعلق قلبك به وحالاتك ابنتي ليست الحالة الأولى ولن تكون الأخيرة فالإنسان في لحظات النمو العاطفي وخلو الفكر ربما تورط في علاقة عاطفية أسس لها هشاشة التكوين العاطفي في تلك المرحلة

عرفته قبل أن أعرف الهوى

فصادف قلبا خاليا فتمكنا

إن من أعظم الإشكالات الفكرية تداخل المصطلحات أو ما يسمى فوضى الكلمات.

أن وصفك طبيعة مشاعرك بالحب لي تحفظ عليه وأراه غير دقيق فتلك المشاعر المكتنزة المترسبة من الماضي أكثر ما يمكن وصفها بمشاعر الارتياح فأنت ما زلت تستدعين مشاعر تلك الطفلة ذات العشر سنوات وتحلقين معها وكبرت معك تلك المشاعر ونمت ابتداء ما أنت فيه لا يسمى بحال من الأحوال حب.

أختي الكريمة تأملي وضعك الآن فالأمر الآن قد مر عليه ثلاث سنوات والرجل تزوج وحسم أمره ونسي الأمر وأنت ما زلت تجترين أحزانك وتكابدين ألم الذكرى وأخشى عليك والله من ركض الأيام وهرولة السنين وضياع العمر على أمر قد قُضي وحسم.

أختي ليست هناك أدنى ضمانة على قدرة هذا الرجل على إسعادك حال تزوجك وبالعكس في أكثر التجارب قد ثبت العكس فيها حيث إن كمال الصورة المرسومة والتوهم أن هذا الشريك رجل ملائكي قد حضر من المدينة الفاضلة ثم ما تلبث أن تصطدم تلك الرؤية بالحقيقة فتحدث ردة فعل تزهد في هذا الزوج ومعها يبدأ مسلسل التعاسة.

أختي الكريمة إن فعل الخطأ لا ينقله إلى دائرة الصواب ولو تواطأ الكثير على فعله..والحقيقة أن السبب الذي اتكأ عليه إخوتك أراه سببا وجيها فهناك أمور من الصعوبة بمكان تجاوزها في هذا الوقت وقد أصبحت جزءا من تركيبة النسيج الاجتماعي ولا يمكن القفز عليها بهذه السهولة حيث إن عددا من الحالات التي لم يتكافأ النسب فيها فشلت وسببت إزعاجا وآثارا دامية للزوجين ولعل إخوانك لم يكونوا راضيين عن تصرف أخيك ولكن لا يد لهم عليه أما أنت فالأمر يختلف تماما ولا أشك البتة أنهم يعملون لمصلحتك.

أختي تقولين انك تقارنين بينه وبين من يتقدم إليك وأقول: قارنت ماذا بماذا؟ هل عرفتِ صفاته؟ هل سبرت غور شخصيته؟ هل جربتيه حال الرضا والغضب؟

أنت لا تحبين رجلا أيتها الكريمة بل تستحضرين ذكريات جميلة من صبي صغير فأنت تعشقين خيالات وأوهام وهذه الحقيقة ولو أزعجتك.

أختي الكريمة لا ثمة اختيار لك الآن إلا بالسعي نحو تخفيف الارتباط الذهني بهذا الرجل أنصحك بالتخلص من كل شيء يذكرك به...

احذري الوحدة في بيئة الأفكار السلبية ونبع للهواجس المزعجة... اشغلي وقتك ما أمكنك ولا تذهبي إلى فراشك إلا حال هجوم الكرى عليك....وأبشرك بأنه متى أحسنتِ اختيار الزوج سوف تطوين صفحة هذا الرجل وتذكري أنه قد ارتبط الآن وأموره الآن مختلفة تماما وكونك تكنين له مشاعر ايجابية لا يعني مبادلته لك نفس المشاعر وحتى ولو أنه في يوم فكر بالارتباط بك تحرري من قيودك اكسري قيود المشاعر الضاغطة انظري لمستقبلك بعين العقل والنظرة الثاقبة الناضجة وفقك الله ويسر أمرك.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد