قال الله تعالى في سورة البقرة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}(208) .
وتؤكد كتب التفسير التي تركها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الله أمر عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه والعمل بجميع أوامره - ويعني الطاعة - ويعني المودة - أي اعملوا بجميع أعمال ووجوه البر وبجميع شعب الإيمان - ويعني مؤمني أهل الكتاب - فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمور التوراة، والشرائع التي أنزلت فيهم، ويقول جل جلاله: ادخلوا في شرائع دين محمد صلى الله عليه وسلم ولا تدعوا منها شيئاً وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها - واعملوا بالطاعات واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان. (من تفسير القرآن العظيم لابن كثير، المجلد الأول ص: 217).
وقال تعالى في سورة الحج {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} (34) . وتؤكد كتب التفسير لهذه الآية: أن معبودكم واحد وإن تنوعت شرائع الأنبياء ونسخ بعضها بعضاً فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له. في قوله تعالى لرسول الإسلام صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (25) سورة الأنبياء. وبأن الله تعالى يقول: (فله أسلموا) أي أخلصوا واستسلموا لحكمه وطاعته.
فالثقافة الإسلامية الراسخة هي معرفة مقومات الأمة الإسلامية العامة من دين ولغة وتاريخ وحضارة، وأسهمت في تاريخ الأمم باعتبارها من مقومات الرسالة السماوية التي أنزلها الوحي عليه السلام على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم على أساس أن الثقافات مستمدة من شريعة الإسلام ومن نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. أن مبادئ الشريعة الإسلامية واضحة المعالم وعقلانية يدركها الإنسان على اختلاف عقائده وهي في واقعيتها تشد العقل إلى الطريق القويم السليم، ولكن تختلف عن تلك التي تسلب من تابعيها قدرتهم على التفكير والاقتناع لتجعلهم كتلة من القطيع، وتجعل مفكريهم ضحايا أزمة صراع وقلق، فيعيش التابعون والمبتدعون مهزلة التناقض، وواقع العبودية الجاهلة لأن مبادئهم لا تقدم على أسس ثابتة ولا سند لها من واقع وعقل.
فالقضية الفلسطينية كانت سببا في حصول الأزمات في العالم العربي وكانت تدور في حلقات مفرغة بسبب مداخلات ومصالح دولية وإقليمية. مما أفقد استقرارها السياسي في تلك المرحلة الطويلة والآن مازالت على وضعها.
وسجل التاريخ للملك فيصل بن عبدالعزيز أنه عاش كل مراحل القضية الفلسطينية فقيل عنه ما من زعيم عربي أحل هذه القضية من نفسه مكاناً جعلها جزءاً من عقيدته الدينية، كما فعل الملك فيصل.
والمملكة العربية السعودية البيت الكبير للعالم العربي وقادته من حرصها على جمع شمل الأمة العربية لأن جلالة الملك فيصل أخذ يعالج القضية الفلسطينية من مواقعها الحساسة بحكمته وبرأيه السديد وبأعصاب هادئة من حرصه على أن يحافظ على كيان الأمة العربية، لتسلك القضية باعتبارها قضية العرب الأولى طرقها الصحيحة.
لذلك دخل الملك فيصل معركة سياسية عنيفة لازمها بصراع قوي مع الأنظمة الماركسية التي كانت تدخل بمزايدات مع الأنظمة المحافظة لتفرض عبادة الشخصية في الدولة.
لقد طرح الملك فيصل الخطاب الإسلامي على حقيقته الناصعة، داعياً كل من هم أهل كتاب في الديانات السماوية للتعاون مع إخوانهم المسلمين لما فيه مصلحة البشرية وضرورة أن يؤمنوا بالإله الواحد القدير المنقذ للإنسانية وتحقيق العيش الآمن لجميع البشرية لأن درع الخطر الإسرائيلي مرهون بانتهاج سياسة واضحة أمام الجميع يلازمه اتصال مستمر مع قادة العالم الدولي لأن حل القضية الفلسطينية هي بيد المجتمع الدولي وهي خارجة عن إرادتنا.
وأكد لدول العالم الغربي المسيحي أن القضية الفلسطينية عربية إسلامية، ولكن لها علاقة مباشرة وماسة مع الديانة النصرانية، فالنصارى لهم مقدسات في فلسطين ومن واجبهم المشاركة في الدفاع عن مقدساتهم وعن حقوق الشعب الفلسطيني المسيحي، وهذا ما يدعونا لتوثيق العلاقة العربية بين المؤمنين بالله لدعم السلم العالمي. وأمام هذه المواقف السليمة للملك فيصل ظهرت دلائل وبراهين سياسية لدى الطائفة المسيحية الكاثوليكية في العالم مع تغيرات جذرية على أعلى المستويات في العالم المسيحي لإعادة النظر في الحياة البشرية، مطالبة بحوار مسيحي إسلامي مع المملكة العربية السعودية باعتبارها تلتزم بمبادئ الشريعة الإسلامية ودستورها القرآن العظيم.
لذلك سجل القرن العشرون الماضي في النصف الثاني منه انهيار الأنظمة الماركسية في العالم العربي، ثم انهيار الأنظمة الماركسية في أوروبا الشرقية ومنها دولة الاتحاد السوفياتي العظمى الثانية في العالم بجهود مشتركة قام بها الملك فيصل في العالم العربي والغربي، وبجهود مماثلة قام بها قداسة بولس السادس بابا الفاتيكان. وسجل التاريخ بدء حياة جديدة للعالم الحر وإلغاء الأنظمة الماركسية المعادية لشرائع السماء.
لقد ثبت للعالم أن رسالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي واحدة وأنها تمثل نداءً عاماً للبشرية لعبادة الخالق الواحد العظيم لتستقيم فيها العبادة لله تعالى وحده والقضاء على التصور الجاهلي وتقديم عقول فكرية ثابتة ومتزنة لقيام مجتمع إنساني متين يدار بدقة وأمانة كما أمرنا الله تعالى، لأن الدين هو الحياة لكل البشرية وروحها الحية وقوتها الدافعة ومحركها الرئيسي.
كما تأكد للعالم المسيحي الكاثوليكي أن الإنجيل والقرآن يؤكدان نفس الخبر عن أصول الرسول عيسى عليه السلام، وما ورد في القرآن عن أصول عيسى بأنه ابن مريم بنت عمران وأن آل عمران يرجعون إلى ذرية آدم عليه السلام وأنا عيسى مولود مريم وهبة من الله إليها ففي قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)(59) سورة آل عمران.
كما اعترف الكثير من المستشرقين في وصفهم للديانة الإسلامية بأنها ديانة مستقيمة غير معقدة وهي قوة عالمية وأن الإسلام لم يواجه الخرافات (اللادينية) على الإطلاق، وأن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم قد جاء ليرسي العلاقات الدينية بين الإسلام والديانات السماوية على دعائم مكينة, بهدف التعايش بين البشر وليقيم ميزان المحبة والإخلاص والتعاون البناء المحقق لمصالح المجتمعات الإنسانية.
وعندما يتابع كل إنسان كتب التاريخ الإسلامي يتبين له عظمة رسالة الإسلام وتاريخها الحضاري، وكانت تاريخاً علمياً وسياسياً هدفها جعل البشرية أمة واحدة في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمَْ)(10) سورة الحجرات.
وتشير كتب التفسير إلى رسالة الإسلام بأن الوجهة في تفكير رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة المكرمة إلى مدينة يثرب بعد أن نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلته جنوحاً للسلم راغباً عن القتال، مقتصداً طول حياته أشد القصد فيه، غير لاجئ إليه إلا لضرورة تقضيه للدفاع عن الحرية في ممارسة الدين وكفالة العقيدة والرأي في سبيلها وحدها أحل القتال، ودفاعاً عنها، أبيح دفع المعتدي حتى لا يفتن أحداً عن دينه ولا يظلم أحداً بسبب عقيدته أو رأيه، في قوله تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)(6) سورة الكافرون.
وأقام الرسول صلى الله عليه وسلم صلة الأمة بعضها ببعض الآخر على الإخاء والمحبة بين المسلمين وأهل الكتاب عن طيب خاطر ومن سماحة الإسلام، وعاهد اليهود من أهل الكتاب لقيام السلطة في مدينة يثرب التي تولاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلحاح أهل يثرب وإجماعهم عليه، وتم وضع النظام السياسي بالاتفاق مع الجميع بعد أن كسب مودة كل الطوائف في يثرب. وكان حوار يثرب بمثابة الحوار الحضاري الثقافي الأول بين الإسلام والديانات الأخرى السماوية.
لقد كانت خطوات رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام حكمة إلهية لإيجاد الطمأنينة إلى وحدة كل الطوائف بعد نزول سورة الفتح التي أنارت طريق انتشار الإسلام والدعوة إلى الله وحققت النصر تلو النصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليتابع خطواته كما أمره الله تعالى لتعم رسالة الإسلام في الجزيرة العربية والدول المحيطة بها شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً.
وكان الحوار الحضاري الثاني بين الإسلام والمشركين في مكة البيت العتيق وتم فيه عقد صلح الحديبية وهو فتح مبين للإسلام وللبعد الإسلامي وحماية المسلمين وتأدية الركن الخامس للإسلام بكل حرية، لأن كرامة الإنسان المسلم تتلخص في كلمة أساسية واحدة وهي عقيدته القيمة عند من يقدر معنى الإنسانية.
وقال الزهري رضي الله عنه: (فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم من فتح مكة بعد صلح الحديبية حيث وضعت الحرب أوزارها وأمن الناس بعضهم بعضاً).
وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لا أقول إلا حقاً.. وما أخبرتكم أنه من عند الله فهو الذي لا شك فيه لإقامة شرع الله والعدل في هذا العالم).
والحوار الحضاري الثالث لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان مع ملوك الآفاق من النصارى وغيرهم لحكام الولايات المحتلة المحيطة بالجزيرة العربية حيث دعاهم إلى الله سبحانه وتعالى وعرض عليهم الدخول في دين الإسلام في رسائل نبوية للجميع، وتضمنت الرسالات نص الآية القرآنية: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)(64) سورة آل عمران.
لقد وضع رجال الدين المسيحي دراسة شاملة عن عقيدة الإسلام ورفعت الدراسة لقداسة البابا بولس السادس بابا الفاتيكان وأمام كل هذه المعلومات والاقتراحات دعا البابا إلى عقد اجتماع لمجمع الفاتيكان المسيحي الكاثوليكي في روما لجلسات سرية متواصلة بدأت عام 1962م واستمرت حتى عام 1965م وكانت على جانب كبير من الأهمية، شارك فيها عدد كبير من الكرادلة الكاثوليكيين في العالم، وصدر عن تلك الاجتماعات وثيقة تاريخية عن المؤتمر تضمنت توجيهات حضارية تدعو بشكل صريح لقيام حوار إسلامي مسيحي لما فيه خير البشرية.
وصدرت الوثيقة تحت عنوان (نور العالم) توجهات من أجل الحوار بين الديانتين، وهي تفيض بالرؤى التقليدية التي كانت للمسيحيين عن الإسلام وتعرض ما هو حقيقة وبشكل مفصل وواقعي. وصدرت باللغتين الإنجليزية والفرنسية وبلغات أخرى وتتألف من 150 صفحة. وانتقدت الوثيقة مفاهيم المسيحيين الخاطئة عن قدرية الإسلام الذي يتمسك بالتشريع الإلهي الصحيح.
وأوردت الوثيقة عبارات من القرآن الكريم توضح: (إن ما كان يترجمه الغربيون) خطأ بالحرب المقدسة هو ما يعبر عنه بالعربية (الجهاد في سبيل الله) (الجهاد لنشر الإسلام والدفاع عنه ضد المعتدين) وقالت: موضحة كلمة الجهاد: (إن الجهاد ليس الحرم التوراتي) ولا يتجه إلى الإبادة أبداً ولكن لنشر شرائع الله وحقوق الإنسان في المقاطعات الجديدة. لقد كانت مظاهر الشدة في الجهاد في الماضي تتبع لقوانين الحرب ولم يكن المسلمون أيام الصليبيين هم الذين يرتكبون دوماً أكبر المجازر).
ويعتبر هذا التوضيح الصادق والموثق في وثيقة الفاتيكان خير رد على كل الاتهامات المسيحية لشريعة الإسلام في الماضي والحاضر بأن الدين الإسلامي يرتكب المجازر والجرائم والأعمال الإرهابية -كما عبر أعداء الإسلام.
ومن متابعتي لأهمية اجتماع الكرادلة المسيحيين في ذاك التاريخ توجهت إلى مدينة روما عام 1970 وحصلت على نسخة من الوثيقة الفاتيكانية المهمة وهي تعترف بشريعة الإسلام رسمياً وهو ما يحدث في تاريخ الأديان لأول مرة.
وأوفد قداسة البابا يوم 24 نيسان (إبريل)1974م نيافة الكاردينال سيرجيو بينيادولي إلى مدينة جدة ليتشرف بمقابلة الملك فيصل وسلمه رسالة خاصة من بابا الفاتيكان، يعبر فيها عن تقدير البابا والمجمع المسكوني لجلالته بصفته صاحب النفوذ الأسمى في العالمين العربي والإسلامي؛ تقديراً مشحوناً بإيمان عميق بتوحيد العالمين المسيحي والإسلامي اللذين يعبدان إلهاً واحداً. كما تسلم الملك فيصل نسخة من وثيقة الفاتيكان للاطلاع على موقف الفاتيكان من الإسلام وحقيقته والاعتراف بمبادئه السمحة لما فيه خير الإنسانية.
ووجه البابا الدعوة رسمياً لوفد علمي سعودي لزيارة الفاتيكان لعقد حوارات ثقافية مع الكرادلة المسيحية والاتفاق على مبادئ التعاون المشترك في هذا العالم.
لقد اقتنع الملك فيصل بأهمية الوثيقة الكاثولية وأهدافها لخدمة البشرية، ووافق على زيارة الوفد السعودي برئاسة معالي الشيخ محمد علي الحركان وزير العدل في ذاك التاريخ -رحمه الله- وقام بسلسلة زيارات للعواصم الأوروبية ومنها الفاتيكان وزيارة البابا، وكانت مباحثات إيجابية يشهدها العالم للمرة الأولى لتقريب وجهات النظر بين الإسلام والمسيحية.
والحقيقة أن وثيقة الفاتيكان كانت مجهولة في العالمين العربي والإسلامي مما دفعني للاحتفاظ بها أكثر من 35 سنة، وبسبب الاتهامات والإرهاصات التي توجه بين مدة وأخرى لشريعة الإسلام، مما دفعني أخيراً لنشرها في مؤلف حضاري ثقافي عن الإسلام ومبادئه السمحة وعنوانه (حوار الحضارات بين المملكة العربية السعودية والفاتيكان) ويتألف من (600) صفحة يتضمن نص الوثيقة الفاتيكانية، وباعتقادي أنها حررت من مقامات مسيحية عليا على كل من يفتري على شريعة الإسلام السماوية.
لقد اتخذ قرار الحوار مع الإسلام في كنيسة الفاتيكان بشبه إجماع الكرادلة الذين شاركوا في الاجتماعات السرية للمجمع المسكوني الثاني، حيث وافق (2151) صوتاً ومخالفة خمسة أصوات فقط.
وأكدت الكنيسة الكاثوليكية لجميع المسيحين أن من واجبهم تعميق المعرفة بالخطوط العريضة للإسلام بهدف مراجعة مواقفنا السابقة ونقداً لآرائنا بعد أن تلقى المسلمون القليل من التعاطف في العالم. فالإسلام هو دين وأمة وقوة على المسرح العالمي وإيمان ومسيرة نحو الله وإنه دين الكتاب -القرآن- الذي هو كتاب الله لا مثيل له ولا يضاهى ويفسره الحديث.
والإسلام شهادة وإقرار.. ورسالة الإسلام هي الديانة الوحيدة النهائية وأن رسول الإسلام هو خاتم الأنبياء والمرسلين، والمسيحية تلتقي مع الوحدانية الإسلامية بالإيمان بالله وبوحدانيته هو تام لا شريك له. وأن نصوص العهد القديم تساعدنا على الحوار، وهي تقول إن الرب هو الإله وأن ليس آخر سواه: (أنت يا رب الأحد.. لا إله إلا الله الأحد).
وأشارت الوثيقة إلى الآية الكريمة في القرآن سورة الإخلاص: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1) اللَّهُ الصَّمَدُ(2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ(4)). وقالت: إن هذه السورة الشهيرة تمثل بالنسبة للمسلمين: الدحض القاطع للثالوث والتجسد للمسيحيين والتي تقف عقبة بين الديانتين منذ القرون الماضية وأن الثالوث يعني تعددية مسندة إلى الله ولكن هي أبعد عن تكرير حقيقة الله الواحد، والحقيقة أن الفاتيكان يمتثل إلى الكلمة الإلهية الحية.
واعترفت الوثيقة بأن الحروب الصليبية قد أنهت ألمع فترة في تاريخ الإسلام وهذا الظلم قد ترك مرارة عميقة لدى العالم العربي والإسلامي.
وعن القضية الفلسطينية قالت الوثيقة إنها قضية (صعبة وخطيرة) أثقلت هموم العالم كله وعلاقتها تقع على مسؤوليات الغرب.
وأشادت الوثيقة بدور الأخلاق الإسلامية بشأن التربية العائلية وبأنها ميزات جديرة بالاحترام إذا قورنت مع العائلة الغربية.
ومنذ ذاك التاريخ قرر البابا بولس السادس أن تدرس اللغة العربية الفصحى وعلوم الإسلام الدينية وتاريخ المؤسسات الإسلامية في الفاتيكان، وإنشاء معهد الدراسات العربية والإسلامية في روما تحت إشراف إدارة الدروس الفاتيكانية.
وبعد استشهاد الملك فيصل -طيب الله ثراه- استمرت قيادة المملكة العربية السعودية في تعميق سياسة لغة الحوار مع أمم الأرض بهدف ترسيخ مبادئ العدل والاستقرار والطمأنينة ونشر التسامح والسلام في هذا العالم، تلك المبادئ التي التزم بها الدين الإسلامي الحنيف وتعاليمه السمحة التي حملها سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم للعالم أجمع لحماية الإنسان وصون الإنسان وكرامته بصفته خليفة الله في أرضه، وعليه تقع مسؤولية عمارة الكون وإحقاق الحق وإزهاق الباطل، وصرف الأذى لما تعانيه المجتمعات الإنسانية من اضطرابات في قيمه ومبادئه وقوانينه.
وكان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز قد عقد مع البابا بنديكتوس السادس عشر يوم الثلاثاء السادس من نوفمبر- تشرين الثاني الماضي أول لقاء تاريخي في كنيسة الفاتيكان وهو الأول من نوعه بين المملكة العربية السعودية والكنيسة الكاثوليكية العالمية، وتشاور في إرساء السلام في الشرق الأوسط وضرورة تعزيز التعاون بين الديانات الإسلامية والمسيحية واليهودية باعتبار هذه الديانات الثلاث هم أصحاب رسالات سماوية أنزلت على الأنبياء موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام لتحقيق فرص إحلال السلام في هذا الكون.
وقال الله تعالى في القرآن العظيم: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء).
وقال تعالى: (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ). وقال عز وجل: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
وخاطب الله تعالى رسول الإسلام: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا).
إن تفسير هذه الآيات الكريمات من سورة المائدة في قوله لرسول الإسلام صلى الله عليه وسلم: بأن هذه الآيات قد نزلت في المسارعين في الكفر الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله، يقول تعالى: (مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ) أي أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه.
ولما ذكر تعالى التوارة التي أنزلها على موسى كليمه، ومدحها وأثنى عليها وأمر باتباعها حيث كانت شائعة الأتباع، وذكر الإنجيل ومدحه وأمر أهله بإقامته واتباع ما فيه، وذكر القرآن العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. فخاطب تعالى الرسول الكريم: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) أي بالصدق لا ريب فيه إنه من عند الله، مصدقاً لما بين يديه من الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره وأنه منزل من عند الله. لذلك الدين الذي لا يقبل الله غيره. التوحيد والإخلاص لله الذي جاء به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام.