كانت نفسي تواقة إلى زيارة بيت الله، أول بيت وضع للناس، ومع أنني كنت قد رأيته كثيراً في (التلفزيون) والصور، ولكن هذه المشاهدات لم تكن لتغني شيئاً أمام ذلك الشعور الذي يختلج في نفسي شوقاً إلى الرحاب الطاهرة!
وحين حان ذلك اليوم الموعود بالنسبة إلي، وشددنا الرحال إلى المسجد الحرام بمكة، وأَذِنَ الله لي بأن أسعد برؤية بيته المطهر.. دخلت من باب السلام، وكان أول ما وقع عليه بصري، هو (الكعبة المشرفة)؛ فكان مشهداً يعجز التعبير عن وصفه، هالة من نور أحاطت ببيت الله، نورٌ ملأ أرجاء المكان، بل ملأ روحي العطشى إلى روحانية الإيمان، إلى بيت الرحمن، وكبَّرت، واقتربت شيئاً فشيئاً من الكعبة الشريفة، ولا عجب أن كلَّ من حولها يتوق إلى لمسها وتقبيلها. كان مشهداً مهيباً، يعظم بيت الله فيه كل الناس، من جميع الأجناس والألوان واختلاف الألسن، يتوحدون الآن بلغة واحدة هي لغة القرآن، يكبرون الله عند الركن اليماني، يطوفون وألسنتهم تلهج بذكر الله والدعاء، وطلب الرحمة والمغفرة، يتزاحمون عند (الحجر الأسود) الكلُّ يودُّ تقبيله، ومع كل هذا فكل إنسان في هذا المشهد العظيم يشعر بنفسه مع الله وحده، تظهر حلاوة الإيمان في قلب المؤمن؛ فيتجه خالص القلب إلى ربه يسبِّح له ويذكره كثيراً، تلك هي المشاهد التي تتوق إليها النفوس وتسعى إليها وتأنس بها، كيف لا؟ وهي أطهر بقاع الأرض، والكعبة المشرفة قبلة الله على الأرض مهوى الأفئدة، ومنار قلب الإسلام.. بجلاله العظيم، بكسائها المهيب، أشرقت تملأ الكون نوراً وهدى.
ومرت الأيام وخرجت مرات ومرات للعمرة والحج، وفي كلِّ مرة أجد نفسي فيها في رحاب المسجد الحرام أشعر بذات الشعور المهيب الجليل العظيم الذي يملأ نفسي حين تبدو لي الكعبة من بعيد؛ فيظل بصري متعلقًا بها، ورغم أنني زرت من بلاد الله الكثير، ورأيت ما يشد البصر من عمارة وطبيعة خلابة ونسيم رقاق إلا أنها لا تساوي شيئاً أمام جمال البقعة الطاهرة المباركة.. فسبحان من كساها بهذا الجمال وجعلها مهوى الأفئدة المؤمنة!
noraalomran@hotmail.com