Al Jazirah NewsPaper Friday  16/05/2008 G Issue 13014
الجمعة 11 جمادى الأول 1429   العدد  13014
الفضيلة والواقع
مي عبدالعزيز السديري

في أحد الأيام استقبلت زائرة كريمة في بيتي، وكانت تلك الزائرة سيدة حكيمة باحثة في علم الاجتماع شهد لها المجتمع بحكمتها ورؤيتها التحليلية للمجتمع، وبينما كنا نشرب الشاي تبادلنا أطراف الحديث حول السلوك الاجتماعي الحالي الذي يتناقض مع كل شيء جميل اعتدنا عليه في أيام آبائنا وأجدادنا، والتفتت إليّ تلك الحكيمة وقالت: ماذا أقول لك يا بنتي؟ إننا نعيش مسرحية مأساة في وطننا العربي وبدأنا نتحسر على الأيام الخوالي حيث كانت المحبة عنواناً ومطلباً بين أفراد المجتمع.. الجار يسهر على راحة جاره، والصديق يسرع لنجدة صديقه.. تعاون مخلص، وحيثما تحركنا كنا نرى الوجه الحقيقي في كافة مظاهر الحياة.

لم أستغرب ما سمعت من ضيفتي؛ إذ إنني لمست بنفسي الكثير من الأمور التي لا يقبلها العقل ولا المنطق، وعلى سبيل المثال كنت أقف عند إشارة مرور في سيارتي منتظرة عودة السائق الذي طلبت منه جلب حاجة، وكان يقف على الرصيف شيخ هرم لا يكاد يستطيع الوقوف بشكل متزن، وكان يحاول عبور الشارع إلى الجهة الأخرى، وكلما حاول ذلك كانت السيارات تمنعه رغم أنه كان يلوح بيده الضعيفة. عاد السائق فأشرت إليه بمساعدته، ولا أدري كيف كان ذلك الشيخ سيعبر الطريق لولا تلك المساعدة.. فأين هي الرحمة واحترام من تقدم به العمر؟!

أخذت ضيفتي الحديث مني وقالت لي: إليك هذه القصة:

تشارك أخوان في مشروع تجاري وكنت مطلعة على حيثيات الشراكة، وسارت الأمور بشكل حسن، وبعد فترة توفي الأخ الأصغر تاركاً خلفه زوجته وأطفاله الخمسة القصر. استمر الأخ الأكبر في دفع بعض الأموال لزوجة أخيه المتوفى وأولاده، ولكنه بدأ يخفض المبلغ شهراً بعد شهر لدرجة أن ما كان يعطيه لم يعد يكفي لسد نفقات العائلة، وعندها طلبت الزوجة فسخ الشراكة؛ فكان جواب الأخ الأكبر أن أخاه لم يكن شريكاً وإنما كان موظفاً عنده.. جاءتني الزوجة وطلبت مني التدخل لعلمها أنني أعرف كل شيء، وحاولت حل المشكلة، ولكن دون جدوى. وأقسم الأخ الأكبر يميناً غموساً أن أخاه لم يكن شريكاً رغم أنني أعرف حق المعرفة أن المرحوم كان شريكاً فعلياً له.. فأين العدل والرزق الحلال وحق الأيتام وصلة الرحم والأمانة؟!

قصة أخرى.. قالت الضيفة إنها حضرت مجلساً جمع عدداً لا بأس به من النسوة واستمعت إلى الأحاديث التي جرت أثناء الجلسة، وكانت معظمها تتركز على الأعمال الخيرية، وسمعت قصصاً عديدة عن المكرمات التي قامت بها كل منهن، وذكرت بعض الأسماء دون أن يعرفن أن بينهن من تقرأ بين السطور وتميز بين الخطأ والصواب.. لماذا هذا التفاخر بعمل الخير؟ ولماذا ذكر الأسماء؟!

وانتقل الحديث عن الأخريات الغائبات فقالت إحداهن لجارتها في الجلسة: لماذا تكرهك فلانة؟ لقد قابلتها يوم أمس وقالت لي إنها أكرمتك بالهدايا وغيرها، ولكنك قابلت ذلك بنكران الجميل والجحود. وتبين فيما بعد أن هذه السيدة قالت لفلانة ما قالته لجارتها.. وتطوعت أخريات لذكر غائبات بما يسوء..

وأسأل ثانية: هل أصبحت الغيبة والنميمة والفتنة عرفاً بين الناس؟!

قلت لضيفتي إليك مشهداً آخر من الواقع.

روت صديقة لي وهي معروفة بالصدق والتقى أن صديقاً لزوجها طرق بابهم في وقت متأخر من الليل وهو في وضع يُرثى له، وأخبر زوجها بأن والدته في المستشفى وهي بحاجة إلى عملية جراحية مستعجلة. وباختصار أمن زوجها المبلغ المطلوب لصديقه بطريقة أو بأخرى، وأعطاه لصديقه الذي وعد بإعادة المبلغ بعد ثلاثة أشهر، وبعد مضي سنتين دون أن يرد الصديق المبلغ ذهب زوجها إلى بيت صديقه وطالبه بالمبلغ فرفع عليه صوته وأمره بألا يعاود المجيء إليه. والآن وقد مضى ثلاث سنوات دون أن يعيد المستقرض المبلغ لصديقه.

وهنا أقول: لماذا نكران الجميل هذا؟ وهل هكذا يقابل المعروف؟!

وفي هذا المقام لا بدَّ لي أن أختم وأقول إن مجتمعنا فيه الخيرون، ولكن - للأسف - فقد غاب عنه الكثير من الفضائل؛ فلم نعد نجد إلا قلة من الذين يؤمنون بالمروءة والمكرمات والشهامة والصدق وعرفان الجميل والمحبة.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد