عنيزة - فهد الفاضل
يعرض أحد المهتمين في مجال الخط العربي ومؤلف سلسلة (إبداعات) في الخط العربي وفنون الزخرفة وجماليات الخط الأستاذ جمال عزت في سلسلته العديد من الجوانب المهمة في مسيرة الخط العربي، ومنها أن الخط العربي بكافة جمالياته التي تشكل بها عبر العصور، ومنذ نشأته الأولى يعتبر أحد أهم معالم التراث الإسلامي، وقد تم تجويد وتجميل الخط العربي على مراحل، وفي مراكز متعددة، فأول مكان تمت فيه العناية بالخط العربي كان في الحجاز في عصر النبوة لشدة لزومه لتدوين القرآن الكريم، وأول من أجاد الخط هو خالد بن هياج، كان يكتب المصاحف والأشعار وهو الذي كتب بالذهب على محراب مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة سورة (الضحى)، واشتهر بعده مالك بن دينار المتوفى سنة 131هـ، ثم خشنام البصري ومهدي الكوفي ومن بعده أبو حدي الكوفي، ثم كتاب الفرس شراشير المصري وأبو محمد الأصفهاني وغيرهم.
أقلام الخط!!
وعن أقلام الخط وبروزها يشير عزت إلى أن خالد بن الهياج اختراع أربعة أقلام جديدة في مقدمتها القلم الجليل وقلم الطومار. وقد تنوعت الأقلام الحديثة في نهاية عصر الدولية الأموية، كما بدأت هندسة الحروف وتجويدها من الفترة الأولى من العصر العباسي في العراق، وتنسب إلى رجلين من أهل الشام (الضحال بن عجلان وإسحاق بن حماد) وانتهى جهدهما بالأقلام إلى اثني عشر قلماً، ذكرها حاجي خليفة في كتاب كشف الظنون، وهي: قلم- السجلات- قلم الديباج- قلم الطومار الكبير- قلم الثلثين- قلم الزنبور- قلم المفتح- قلم الحرم- وقلم المؤامرات- وقلم العهود- وقلم الحرفاج- قلم الجليل- قلم القصص. وفي عهد المقتدر بالله ظهر أبو علي محمد بن مقلة الذي عمل وزيراً للمقتدر بالله وأخيه عبدالله بن مقلة، وإليهما انتهت جودة الخط وتحريره ولم يرَ الناس أبدع من خطهما. أما الذي أخذ الشهرة وهو الوزير أبوعلي محمد بن مقلة فهو من هندس الحروف وقدر مقاييسها وأبعادها بالنقط وضبطها ضبطاً محكماً، ويقال إن أول من بلغ بخطي الثلث والنسخ أعلى درجات الكمال هو ابن مقلة.
الدهان واستكمال قواعد الخط
في أوائل القرن الخامس الهجري في العراق أخذ ابن البواب بتكملة قواعد الخط وهندسته وتممها واخترع أغلب الأقلام التي أسسها ابن مقلة وكان ابن البواب يحفظ القرآن الكريم وقد أخذ الخط في حداثته عن السمسماني وابن أسد ثم جمع خطوط ابن مقلة في النسخ والثلث اللذين قبلهما من الخط الكوفي وهذبهما ونظمهما وصححهما فاستقام بفضله أسلوب ابن مقلة من كل الوجوه. وكان ابن البواب في شبابه دهاناً يدهن المنازل ويرسم الأسقف وواجهات المنازل إلى جانب احترافه كتابة الخط وتوفي ابن البواب في بغداد سنة 413هـ- 1022م بعد أن كتب أربعة وستين مصحفاً.
الخطوط المستديرة
بين مصر والشام
وممن اشتهر بجودة الخط ياقوت الحموي البغدادي المتوفى سنة 626هـ وهو صاحب معجم البلدان ومعجم الأدباء، والشيخ جمال الدين ياقوت المستعصمي البغدادي بن عبدالله وياقوت المستعصمي هو أشهرهم والذي قلد ابن مقلة وابن البواب وعرف بقبلة الخطاطين. وكان لمصر فضل يذكر في تجويد الخط العربي من عصر الدولة الطولونية وفي شمال الشام منذ أواخر القرن الخامس الهجري حظي الخط العربي بنصيب من التجويد. ومنذ العصر الأيوبي في مصر والشام بدأت الخطوط المستديرة تحل محل الخطوط الجافة الكوفية، أي أن مدارس التجويد الأولى هي المدرسة الشامية والمدرسة العراقية العباسية التي نبغ فيها الضحاك وإسحاق بن حماد والشجري والأحول وابن مقلة وابن البواب وياقوت وغيرهم. فهذه هي المدارس الأولى التي بلغت الكتابة العربية فيها أولى المنازل التي اتصفت بالجمال، وهي التي وضعت معايير الكتابة وأفاضت في إحكام هذه المعايير وإزاء ما وصل من هذه المدارس من نماذج يمكن القول إن هذه المدارس كانت مقررة لقواعد الخط العربي أكثر من كونها مجودة ومنتجة لها. والمدرسة المصرية استوعبت جميع تراث السلف على نحو واسع وجودت الخطوط المشتقة من خط الطومار الكبير (خط الثلث والثلثين).
المدرسة العثمانية
المدرسة التركية العثمانية أخذت من المدرسة المصرية الثلثين وطورتهما، ثم أضافت من عندها خطين جديدين هما (خط الرقعة والخط الديواني) وزاد الأتراك خط الإجازة وهو جمع بين النسخ والثلث، وتفرد العثمانيون بخط الطغراء وهذا الخط كان مخصصاً لتوقيع السلاطين وهو يحتوي على اسم السلطان الحاكم ولقبه، ويحتمل أن يكون خط الطغراء قد نتج عن تزاوج بين الخطين الديواني والإجازة. ومن أشهر الخطاطين الأتراك أحمد الله بن الشيخ مصطفى الذي عاش في أواخر القرن التاسع الهجري وأوائل القرن العاشر (توفي سنة 936هـ)، وهو من كتاب المصاحف المجيدين، والحافظ عثمان المتوفى في أوائل القرن الثاني عشر الهجري وهو ممن برزوا في خط النسخ وكتبوا به المصاحف. وفي بلاد فارس كان للخط العربي شأن كبير وكان للخطاطين مكانة ممتازة، كما كان الحال لدى الأتراك، ومن أشهر خطاطي بلاد فارس في القرن العاشر الميلادي محمد بن علي الراوندي وفي القرن الرابع عشر عبدالله بن محمد بن محمود الهمذاني، وكانا خطاطين ومذهبين في آنٍ واحد، فكان التذهيب ملازماً لفن الخط العربي، وأخذ الأتراك عن الفرس خط التعليق وبرعوا فيه، كما أخذ الفرس عن الأتراك الخط الديواني. وكانت لإيران خطوطهم الخاصة بهم كخط (النستعليق) وهو جمع بين خطي النسخ والتعليق ويمتاز بخفة ولطف لا يبدوان في خط التعليق، ومن أشهر الخطاطين الذين برعوا في هذا الخط علي التبريزي.
وعن أبرز المراجع التي استقى منها الأستاذ جمال عزت ما يدور في أروقة الخط العربي: تاريخ الخط العربي وآدابه لمحمد طاهر بن عبدالقادر التركي، والخطاطة - الكتابة العربية للدكتور عبدالعزيز الدالي، وبدائع الخط العربي لناجي زين الدين المصرف، ونفائس الخط العربي لحسن قاسم حبش، وتراجم خطاطي بغداد المعاصرين للخطاط وليد الأعظمي.