إذا كان نصف المعلمين والمعلمات يتلقون أقل الرواتب منذ زمن، وإذا كان خريجو كليات المعلمين لم ينخرطوا في وظائف وزارة التربية، وإذا كانت وزارة التربية والتعليم، تسعى إلى خصخصة جزء من التعليم، وتشكيل عددي لكل مدرسة، وتقليل عدد المشرفين، ثم إعادة النظر، واتخاذ قرار زيادتهم مرة أخرى، ثم التوقف مرة ثالثة، بسبب فاتورة التعليم، فلابد من الاعتراف بأن كثرة التخصصات التربوية وتشتتها، وبناء إدارة لكل تخصص، ولكل مهمة تربوية، لم يكن في صالح العملية التربوية والتعليمية، ونتج عنه فراغ كبير، وتنوع وتقاطع وجهات النظر بوجه أو بآخر، وهذا الوضع يدعو للقلق وعدم التفاؤل، ومن رحم المعاناة، بدأت أفكر، بإنشاء معهد متخصص لأبحاث التربية، وإذا كان الاستثمار في التربية والتعليم، هو البداية الأولية للتنمية، فضلاً عن خطة الترشيد، وإذا كان لدينا مدينة الملك عبدالله بن عبدالعزيز الاقتصادية (إعمار الاقتصادية)؛ فليكن المعهد الذي أفكر فيه جزءاً من مدينة تربوية متكاملة باسم مختصر (شركة تنمية التربية)؛ لتتولى المعهد ودعمه وبناء سياسة جديدة للبحوث التربوية؛ لأنها بداية لمن ينشد التطوير والتخطيط، وذلك عن طريق (كراسي للبحث) بالتعاون مع الجامعات ورعاية المعهد ومدينة تنمية التربية، ومن ثم اختصار مشوار ترخيص وأذون، البحوث العلمية التربوية، ويمكن أن يبدأ المعهد، ببناء سياسة للتواصل مع كل شاغلي الوظائف التعليمية بأساليب جديدة، ودراسات متعددة، بعيدة عن لغة المنتديات، ورسائل الاقتراح المتفرقة التي يتلقاها المسؤول بين فترة وأخرى، وكذلك دراسة المشاكل الدائرة في الميدان التربوي، واستشعار الهم التربوي والتعليمي بشكل عام، والتنبيه على الأخطار والمشاكل، بشكل خاص، والاستفادة من كل الخبرات التربوية التي مرت على وزارة التربية والتعليم، وتنظيم كل الدراسات التربوية العلمية، والآراء التي ترد من الأفراد والمعلمين والمشرفين، والهيئات والمنظمات، والشخصيات الاعتبارية، والسبق للبحث التربوي أولاً، ومنح الدراسات التربوية ثانياً، ودراسة القرارات بشكل علمي مميز، وتطويرها والتخطيط لها؛ لتصب في النهاية بيد صاحب القرار؛ ليختار المناسب منها، بالتعاون مع اللجنة العليا لسياسة التعليم، ومن ثم إلى مجلس الوزراء في الأمور الكبيرة، وإلى إدارات التربية والتعليم في الأمور العاجلة والعادية، مروراً بالهرم الإداري في وزارة التربية والتعليم. ويمكن للشركة أن تهتم بالمنتج التربوي والتعليمي، وإدارة وصناعة التقنيات والوسائل التعليمية، ومصادر التعليم، وعروض التدريس، واستراتيجيات التدريس، وسوق المقررات المدرسية، وكراسات النشاط، والتعليم الإلكتروني، وتغيير نمطية التعليم الإلكتروني؛ لتكون (التربية الإلكترونية)، وإدارة مشروع التربية الإلكترونية، بشرط أن يتكامل كل ذلك مع محتوى المقررات المدرسية، ومع تطلعات شؤون المعلمين والشؤون المالية، ولتعنى المدينة، بتحويل المعلمين والمشرفين المميزين والموهوبين لمنارات مميزة، وهم في الميدان، وعن طريق الإعارة للمدينة نفسها، أو لجهات ترعى مواهبهم، لإثراء الميدان التربوي، وكذلك تنظيم إعارة المعلمين للقطاع الخاص، واستقطاب المعلمين لإكمال دراستهم العليا، حسب ميولهم ونشاطهم، وبسياسة قادرة على تقليص أعداد المعلمين، واستثمار المورد البشري التربوي، عن طريق ما سبق، وعن طريق إدارة التدريب التربوي، وعلى أسس علمية، وبعقلية القطاع الخاص.
ولتتولى المدينة إدارة اقتصاديات التعليم، وإدارة المقاصف، واستثمار خدمة المعلم والطالب، وجوال الطالب، وجوال المعلم، ودعم المدارس الأهلية الناشئة، وبناء مؤسسات تربوية وتعليمية ربحية في أماكن متفرقة، بالتعاون مع المعلمين أنفسهم، وخاصة خريجي الكليات والجامعات، الذين لم تقبلهم وزارة التربية؛ أي بالاستثمار المباشر مع العاطلين عن العمل، أو بإعارة المعلمين والمشرفين من الوزارة للمدارس الجديدة، حتى نصل إلى قرار حكر تملك المدارس الأهلية على المعلمين والتربويين، كما هو الحال مع المستوصفات والمستشفيات الخاصة، وذلك عن طريق التنافس الشريف في البداية، إلى أن نصل إلى القرار الفصل (سعودة المدارس مائة بالمائة).
ولتعنى المدينة بقيادة الإعلام التربوي، وفصله عن العلاقات العامة، والعناية التامة والكاملة بالإعلان التربوي، وإنشاء القنوات التلفزيونية التربوية، وليس التعليمية فقط، وإنشاء مركز إعلامي تربوي متكامل للجميع، والدعوة إلى التركيز على البرامج التربوية الخاصة بالطلاب، وتوصيف أوعيتها ب(البرامج المدرسية التربوية) بدلاً من (النشاط الطلابي)، وتحويله إلى مشروع متكامل، وبسياسة داعمة للمقررات والمناهج، والدعوة للتخلص من تعدد الإدارات المسؤولة، عن كل جزئية في التربية والتعليم، وتكوين مجموعات متخصصة للإشراف والتقويم التربوي والتعليمي وتوزيع المعلمين، ونحو ذلك مما لا يدخل في مهام المدينة. وعندها سيكون الاهتمام بالمعلم والطالب مختلفاً تماماً، ولتعنى المدينة بإدارة برنامج تكافل، وإدارة الأوقاف التربوية، وتشييدها في أكثر من مكان، وتحديد جزء من ريعها، لتوزع بالحصص على جميع المدارس (ميزانية مستقلة)، ولتعنى المدينة بدراسة طلب أي من مقدمي الخدمات التربوية أو التعليمية، وتوطين مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز لتطوير التعليم العام، وإدخال كل المشاريع تحت لوائه؛ لينطلق من مكان مركزي، ولتتولى المدينة بناء المدارس بسرعة وجودة متناهية، أو الدفع بها للقطاع الخاص، مع تخطيطها بشكل استثماري، وبتخطيط جديد يتواكب مع مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم، وتحسباً لأي زيادة، وتنظيم جوائز للتميز التربوي أولاً، ثم التعليمي ثانياً، للمعلمين وإدارات التعليم ومراكز الإشراف بلا استثناء، وجوائز لأفضل المخططات المدرسية، لبناء سياسة تنافسية عامة، ولتكن الجائزة باسم شخصية اعتبارية مهمة.
في الختام لابد من تحديد أسهم الشركة، وطرحها لكل المواطنين، لنصل إلى الاقتصاد التربوي المعرفي الرائد، ولأقوى سياسة تحد من فاتورة التعليم.
وإذا قلنا إن التطوير بحاجة إلى تخطيط، والتخطيط بحاجة إلى بحوث، والبحوث بحاجة إلى معلومات؛ فمشروع مدينة الملك عبدالله التربوية، بداية وخطوة تكميلية لتوحيد السياسات والإجراءات، وتحقيق الوحدة التربوية الغائبة وكل الأحلام التربوية.