Al Jazirah NewsPaper Monday  16/06/2008 G Issue 13045
الأثنين 12 جمادىالآخرة 1429   العدد  13045

على راشد فلتبكِ البواكي
ناصر بن مسفر الكبرى

 

يقول تبارك وتعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}، ويقول جل وعلا: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً}.. إنها سنة الله - عز وجل - في خلقه أن كتب على عباده الموت والفناء.. إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا - جل وعلا -، وإنا على فراقك يا أبا فهد لمحزونون.

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر

فليس لعين لم يفض ماؤها عذرُ

لقد فجعت الأمة عامةً، ومجتمعنا في محافظة الأفلاج خاصةً، بموت الشاب راشد بن فهد الحفيظ الدوسري قاضي محكمة الهدار الذي وافته المنية يوم الجمعة الموافق 12-4-1429ه إثر حادث أليم توفي فيه هو وبنتاه - رحمه الله، وجعلهما حجاباً له ولوالدتهما من النار -. لقد كان الشيخ راشد على صغر سنه علماً من الأعلام وفقيهاً من الفقهاء وعابداً من العباد، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً.

ولد الشيخ راشد في محافظة الأفلاج ونشأ وسط أسرة خير وصلاح، وقد درس الابتدائية، ثم أكمل المرحلتين المتوسطة والثانوية في المعهد العلمي بالأفلاج، ثم أكمل دراسته الجامعية في كلية الشريعة بالرياض، ثم تخرج واختير قاضياً، وأكمل دراسته الماجستير في المعهد العالي للقضاء، وبعد ذلك تولى مهام القضاء.

ولقد كان الشيخ - رحمه الله - شغوفاً بطلب العلم منذ صغره؛ فقد فاق أقرانه في طلبه للعلم وكثرة مطالعته الواسعة لكتب الفقه والحديث، ولقد كان أيام دراسته في الثانوية مواصلاً للصيام كصيام داود يصوم يوماً ويفطر يوماً، وقد قرأ على الشيخ محمد العثيمين وكتب بيده من فتاوى الشيخ ما يربو على 450 صفحة، وأنا أكتب هذه الأحرف عن الشيخ ليس لأني أعرف بالشيخ؛ لأنه مجهول، ولكني أذكر نفسي ومن يعرف الشيخ بمآثره؛ لعلنا نخلص له الدعوة، ولعلنا نستلهم الدرس من سيرته - رحمه الله -؛ فقد كان نجماً ساطعاً في العلم والعبادة والأدب وحسن الأخلاق، وهو لم يبلغ الخامسة والثلاثين من عمره؛ فكان جل وقته متعلماً أو معلماً أو مفتياً للناس على الجوال أو على الإنترنت، وكان هيناً ليناً يحاور المستفتي ويذكر له جميع الأقوال والترجيح وسبب الترجيح؛ فأحسن الله عزاء أهله وذويه وزملائه وطلابه وأهل محافظة الأفلاج عامة في شيخهم.

إن يوم وفاة الشيخ كان يوماً مشهوداً مهولاً؛ فقد شيعته محافظة الأفلاج برجالها وأطفالها وأغلقت الطرق المؤدية إلى المسجد وصلى الناس في الشوارع المحيطة بالجامع رجالاً ونساءً، وأحسب ذاك الجمع الذي شيع الشيخ شفيعاً كافياً عن أن أسطر عنه أو أبين كثيراً من مآثره.

لعمرك ما الرزية فقد مال

ولا شاة تموت ولا بعير

ولكن الرزية فقد شهم

تموت بموته بشر كثير

وإن من البشائر التي تدل على حسن خاتمته إن شاء الله وفاة الشيخ في آخر ساعة من يوم الجمعة، وكان يقرأ ورده، وكذلك ما رُئي من رؤى مستبشراً بالخير، ولئن كان يوم وفاته يوماً ثقيلاً على ذويه ومحبيه فإن يوم الاثنين التالي لوفاته موعد درسه في شرح بلوغ المرام في مسجد البشر بعد صلاة المغرب كان أيضاً يوماً جدد حزن طلابه حينما نظروا إلى منبره وتذكروا شيخهم وانتظروا من يقوم ليذكرهم أو يعظهم أو يعلمهم فطأطؤا رؤوسهم وكأن على رؤوسهم الطير؛ فلا ترى منهم إلا من عينه دامعة أو لسانه داع لشيخه؛ فقد فقدوا ذاك الوجه طلق المحيا وذاك البحر في العلم الذي من ورده ارتوى. إن العزاء في فقد الشيخ أنه قدم على الرب الرحيم الودود الذي يجزل المثوبة ويضاعف الحسنة ونحسب أن الشيخ قد قضى حياته لأجل خدمة دينه وإرضاء ربه.

فنسأل الله - جل وعلا - أن يسكنه فسيح جناته، وأن يقدس روحه، وأن يخلفه في عقبه، وأن يبارك في أبنائه من بعده وأن يعظم لمحبيه الأجر من أهله وطلابه وأزواجه.. {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد