ليس بمستغرب ما نقرؤه بين الفينة والأخرى من محاولات مشبوهة من بعض الجهات الغربية للتشويه والتشكيك في المكونات الشرعية والوطنية لبلاد الحرمين الشريفين، واتهامها بعدم مراعاة حقوق الآخرين، وقيامها على مبادئ وأفكار لا تتواكب مع التقدم العالمي.
ولكن الغريب فعلاً أن يشارك بعض مثقفينا في الترويج لتلك التوجهات المريبة، مستفيدين مما أتاحته موجات الانفتاح العالمي لمختلف الثقافات والأفكار من فرص كبيرة للظهور والتأثير، الأمر الذي نتج منه مزيد من الدعم لأجزاء الصورة المشوهة التي يريد الغرب نشرها وترويجها عن ديننا وبلادنا، وذلك بدلاً من تعديل تلك الصورة السلبية غير الواقعية، وإيضاح الصورة الصحيحة.
وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إحدى الجهات الحكومية التي وقعت ضحية هذه المحاولات الظالمة، والتي أخذت تروج في الآونة الأخيرة بطرق متنوعة عبر وسائل الإعلام من أن هذه المؤسسة الحكومية لا تحترم في نظمها وتوجهاتها العامة حقوق الإنسان وحرياته العامة، ونسي هؤلاء أو تناسوا أن الهيئة إحدى التطبيقات المعاصرة لشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المملكة، وهذه الشعيرة بمفهومها الشرعي لا تعارض حقوق الإنسان وحرياته العامة، بل على العكس، تُعدُّ ضماناً فعلياً لحفظ هذه الحقوق والحريات على المستوى الرسمي والشعبي، ذلك أن الشريعة الإسلامية أعطت كل مسلم الحق في أنه إذا رأى سلوكاً فيه تعد على حقوق الله تعالى أو حقوق النفس البشرية أو حقوق الآخرين، أعطته الحق في أن ينكره ويسعى لإزالته حسب حاله واستطاعته بما يحفظ تلك الحقوق، وبذلك يسهم كل مسلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في الحفاظ على الحقوق، وعلى سبيل المثال فحينما يتعرض شخصٌ لإحدى النساء بالأذى أو يسعى في استدراجها أو التغرير بها فإن الاحتساب عليه والأخذ على يده هو في الحقيقة حفاظٌ على حق من حقوق هذه المرأة وحقوق أهلها، ونحن كمجتمع مسلم من حقنا أن تُحترم عقيدتنا وسائر مقدساتنا، وأن نعيش في مجتمعنا وفق ثقافتنا وأخلاقنا الإسلامية الأصيلة، وأن يُحمى أبناؤنا من كل ما يتعارض مع هويتنا الإسلامية، فعندما تسعى الهيئة لمواجهة الغزو الفكري والأخلاقي من خلال بعض السلع التجارية المسيئة للعقيدة أو الخادشة للحياء على سبيل المثال، أو المواد الإعلامية الخليعة والإباحية، وتسعى للحد من آثاره السلبية في المجتمع حسب إمكانياتها، فهي بذلك تحافظ على حق من حقوق المجتمع، وهكذا في سائر مواطن الإنكار الشرعية.
ونظام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولوائحه التفسيرية وما يستجد من تعليمات منظمة لعمل الهيئة صادرة من الجهات العليا، هدفه ضبط النظام العام للمجتمع السعودي، وحفظ حقوقه وحقوق أفراده المشروعة، وذلك وفق النظرة الشرعية لمفهوم حقوق الإنسان، ومعلوم أن القيم الإنسانية ليست قيم مطلقة بل لها قيود وضوابط حتى في النظم الغربية، والحرية الشخصية كقيمة إنسانية لا يُقبل بتاتاً أن تكون سبباً للتعدي على حريات الآخرين، ويجب أن تلتزم بقيم المجتمع وتحترم مبادئه ولا تخرج عن نظامه العام، وإلا تحولت لفوضى.
وتطبيقات بعض الأفراد المخالفة لذلك والتي تحمل الطابع الفردي لا المؤسسي لا ينبغي أن تقيم من خلالها شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو نظام هيئة الأمر بالمعروف والذي يمثل المنهجية العامة للهيئة، بل يتوجه النقد إلى ذلك السلوك الفردي المخالف.
Mohmd1@gmail.com