قد يستغرب البعض إذا علم أن خدمة البريد السعودي قبل نحو أربعين سنة بالنسبة للرسائل في الظروف والصحف والمجلات، إلى جانب الطرود، كانت أكثر راحة وأقل تكلفة بالنسبة للمواطن من الخدمة الحالية لأن الرسائل بأنواعها والجرائد والمجلات والطرود بأحجامها المختلفة تصل إلى العنوان الجغرافي للمواطن. لم تكن المحلات في الأسواق والشوارع والحارات مرقمة، ولكن كان ساعي البريد ملماً بأسماء الشوارع والأسواق والحارات الداخلة ضمن مساحته الجغرافية التي يوزع فيها حصته من البريد يومياً، إلى جانب معرفته الواسعة بأسماء العملاء في دائرته الجغرافية. وكان ساعي البريد يحمل شنطة خاصة فيها الرسائل البريدية التي يقوم بتوزيعها. وكان يرتب الرسائل حسب مساره الجغرافي في التوزيع وذلك قبل أن ينطلق في التوزيع يومياً ما عدا الجمعة.
كان لدى والدي -يرحمه الله- محل في المدينة المنورة. وكان المحل يقع في سوق يصل ما بين شارع العينية وسوق الحبّابة، كما كان أيضاً يقع بالقرب من أحد الأبواب التاريخية في طيبة الطيبة ويُعرف بباب المصري. فكانت الرسائل والطرود وجريدة أم القرى يوصلها موزع البريد- كان اسمه حمزة عبدالمعطي- إلى محل الوالد على العنوان التالي: فلان الفلاني، باب المصري، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية.
فكان الوالد، على سبيل المثال، يستلم جريدة أم القرى أسبوعياً من موزع البريد. وكانت الصحيفة آنذاك تطبع في مكة المكرمة.
عندما كان كاتب هذه السطور في المرحلتين المتوسطة والثانوية، كانت تصله الرسائل وإحدى المجلات على عنوان الوالد المذكور آنفاً. ولا أزال أحتفظ بظرف بريدي لتلك المجلة التي كانت تصلني من بيروت، ويوجد على الظرف طوابع بريدية عليها صورة الرئيس اللبناني السابق فؤاد شهاب وصورة لدار البريد اللبناني، ومكتوب في ختم البريد على الظرف عبارة (بريد بيروت) وكنت أشتري بعض الكتب بالمراسلة من مكتبة في سوق الندى بمدينة جدة، وتصلني الكتب بريدياً على عنوان محل والدي في أحد أسواق طيبة الطيبة.
عندما بُعثت للدراسة الجامعية في أمريكا لم أجد فرقاً كبيراً في الخدمة البريدية آنذاك بين المملكة والولايات المتحدة سوى أن المنازل والعمائر والمحلات والمدارس والجامعات في أمريكا كانت مرقمة والشوارع عليها أسماء مكتوبة على لوحات. وكان ساعي البريد الأمريكي، وما يزال، يوصل المواد البريدية إلى العناوين الجغرافية مثلما كان ساعي البريد السعودي قبل ما يقارب أربعين سنة. تلك الخدمة البريدية السعودية كانت تقدم مقابل ما يدفعه المرسل عند تسليم المادة البريدية العادية أو المسجلة. وبالنسبة لإيصال الرسائل المسجلة، كان ساعي البريد السعودي يحمل معه بوكاً فيه أسماء المرسل إليهم رسائل مسجلة، فيوقع كل واحد منهم أمام اسمه عند استلام رسالته المسجلة في عنوانه الجغرافي.
بالنسبة لخدمة (واصل) التي استحدثت مؤخراً فلماذا لا تكون هذه الخدمة المتطورة ننافس فيها بلدان العالم لإيصال المرسولات البريدية إلى العناوين الجغرافية مقابل ما يدفع عند تسليم المرسولات؟
وفي الختام، أود طرح فكرة للمؤسسة العامة للبريد بخصوص تطوير الخدمة لصناديق البريد وذلك بتزويد صناديق المشتركين بآلات كهربائية حساسة بحيث يستطيع صاحب الصندوق أن يتصل هاتفيا على رقم مخصص ثم يضيف رقم صندوق بريده كتوصيلة هاتفية ليعرف بواسطة رسالة هاتفية معينة إذا كانت توجد في صندوقه مادة بريدية، وبرسالة هاتفية أخرى إن كان صندوقه خالياً. وبهذه الطريقة الهاتفية يوفر الكثير من المشتركين مشاوير الذهاب إلى صناديقهم.
وفي هذه الخدمة المطورة تخفيف للحركة المرورية في شوارع المدن، وراحة للمشتركين، ومساهمة غير مباشرة لنظافة الهواء من عوادم السيارات.