Al Jazirah NewsPaper Sunday  22/06/2008 G Issue 13051
الأحد 18 جمادىالآخرة 1429   العدد  13051
الطريق للتوفيق للخير
د. محمد بن عدنان السمان

التوفيق لا يتأتى إلا من الله جل جلاله؛ لهذا كان مما ذكر الله سبحانه وتعالى عن نبيه شعيب عليه السلام في دعوته لقومه {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَة مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْه رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْه إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّه عَلَيْه تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْه أُنِيبُ}هود 88.

وكان نبينا صلى الله عليه وسلم في مستهل كل شهر يدعو الله بالتوفيق والتسديد؛ فقد ثبت في الحديث الصحيح أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله إذا رأى الهلال قال: الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربنا وربك الله.

لقد كان السلف - رحمهم الله - يكثرون في مقدمة كتبهم ومؤلفاتهم من سؤال الله التوفيق؛ فهو مطلب عزيز مرغوب.

وأصل التوفيق التسديد للصواب من الأقوال والأفعال، والتوفيق للخير منحة ربانية ومكرمة من الله سبحانه، وليس كل واحد أهل لهذه المنزلة؛ فقد يطلبه ولا يحصل عليها، ألم يصف الله أقواماً بأنهم {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ. عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} لكن لأنهم مع ذلك لم يوفقوا فكان جزاؤهم {تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً}.

ثم إنّ التوفيق منّة من الله؛ روى الإمام الترمذي في سننه بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله، فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت).

ثم تأملوا معي هذه القصة الواردة في الصحيحين التي رواها ابن عباس رضي الله عنهما فقال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: (عرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد، ورأيت سواداً كثيرا سد الأفق، فرجوت أن يكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر، فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب). فتفرق الناس ولم يبين لهم، فتذاكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكنا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون). فقام عكاشة بن محصن فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: (نعم). فقام آخر فقال: أمنهم أنا؟ فقال (سبقك بها عكاشة). فلعلكم أدركتم التوفيق الذي حصل عليه عكاشة رضي الله عنه جراء مبادرته وسؤاله الخير وسابقته إليه.

وتأملوا معي هذه القصة أيضاً الواردة في صحيح مسلم وغيره، التي رواها جرير بن عبدالله رضي الله عنه فقال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، فجاءه أقوام حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، (وليس عليهم أزر ولا شيء غيرها) عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر (وفي رواية: فتغير - ومعناهما واحد) وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وصلى (الظهر، ثم صعد منبراً صغيراً)، ثم خطب (فحمد الله وأثنى عليه) فقال: (أما بعد فإن الله أنزل في كتابه): {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}والآية التي في الحشر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة)، تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، (من شعيره)، من صاع تمره، حتى قال: (ولا يحقرن أحدكم شيئاً من الصدقة، ولو بشق تمرة، (فأبطؤوا حتى بان في وجهه الغضب)، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة من ورق (وفي رواية: من ذهب) كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت (فناولها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على منبره)، (فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله)، (فقبضها رسول الله صلى الله عليه وسلم)، (ثم قام أبو بكر فأعطى، ثم قام عمر فأعطى، ثم قام المهاجرون والأنصار فأعطوا)، ثم تتابع الناس (في الصدقات)، (فمن ذي دينار، ومن ذي درهم، ومن ذي، ومن ذي) حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، (ومثل) أجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة في الإسلام سيئة كان عليه وزرها، و(مثل) وزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، (ثم تلا هذه الآية: (ونكتب ما قدموا وآثارهم))، (قال: فقسمه بينهم).

أرأيتم كيف وفق الله ذلك الصحابي الأنصاري رضي الله عنه فبادر فحصل على أجره وأجر أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ومن تبعه بالصدقة والنفقة، فياله من فضل عظيم وخير عميم.

إن التوفيق للخير أيها المسلم يحتاج منك كما قدمنا في القصتين السابقتين إلى إخلاص ومبادرة وعون من الله ومسابقة، التوفيق يعني أن تقدم ما لله على غيره، فالموفق دائماً قريب من الطاعة بعيد عن المعصية، الموفق يحن لفعل الخير ويترقب مواطنه ويبحث عنه ويسعى إليه، لا يعجزه كسل ولا يردده تسويف ولا تخذيل، مسارع ومسابق لفعل الخير ونفع الناس، البشاشة تعلو محياه لأنه يعلم أن التبسم في وجه أخيه صدقة، إن دًُعي للخير أقدم، وإن دُعي إلى الشر أحجم، مبارك في أي مكان وفي أي زمان.

الموفق تجده يملأ وقته بما يرضي الله، وقد قال القائل الأول رضي الله عنه (إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي)، فذاك احتسب النوم ليقوم ليرضي ربه ويتقرب إليه بالطاعة، وهذا الموفق كذلك، تجده مثلاً في سيارته وفي أماكن الانتظار يبادر إلى ذكر الله عندما غيره يسرح ويتلفت فلا هو مشغول ولا هو مأجور.

ثم العجب كل العجب من أناس حرموا التوفيق وهو قريب منهم، تسألون كيف، أقول أرأيتم رجلاً بالغاً عاقلاً قادراً يطوف أقاصي الدنيا سافر إلى كل دولة ولم يحج إلى الآن إلى بيت الله الحرام مع معه من مال وقدرة، فياله من محروم.

أرأيتم عدم التوفيق في رجال أنعم الله عليهم بالسكن بقرب بيوت الله ومساجده وهم بأتمّ صحة وقوة ولم يمنعهم مانع ثم هم محرمون لا يصلون إلا في بيوتهم وبعضهم قد يسمع النداء بل ربما قد يسمع القراءة في الصلاة.

اللهم وفقنا لما تحب وترضى.



sman@alssunnah.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد