السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
دكتوري العزيز... أنا من أشد المعجبين بقراءة مقالاتك واعتبرك القدوة لي بعد والدي الغالي
مشكلتي تتلخص بالآتي:
أنا بنت ابلغ من العمر 18 سنة.. لا أواجه أي مشاكل مع عائلتي
عندي اب وأم الكل يقول عنهم أحلى علاقة زوجية بالكون
المشكله عندي برا عائلتي.. المشكلة بالناس طيبة قلبي.. وثقتي العمياء بالناس كثير انجرحت منهم وللأسف سلمت لهم قلبي بيديني وآخرتها انصدم فيهم صرت أشوف الدنيا كأننا بغابة كل واحد نفسي نفسي، أنا ماودي تكون عندي هالنظر بس أحس الناس هم زرعوها بعقلي انا خايفة يا دكتور أتأثر وتستمر معي هالنظرة وتؤثر على مستقبلي خصوصا أني طموحة وصغيرة وعمري ماوصل للعشرين حتى اخيرا.. كل اللي ابيه منك يادكتور نصيحة من أب لبنته عن الدنيا عن الناس.. ابي اعرف ليش هم كذا
ابنتك الصغيرة - مها
الرد:
ابنتي مها حياك الله ووفقك سرني والله لغة خطابك الراقية وما حملته من ثقة بالنفس كبيرة وعمق في التفكير وبعد نظر ورغبة في التعلم واكتساب المعارف مثار التقدير..وإليك ما أراه في مشكلتك:
يقول ماركوس اوليدوس أحد أعظم الأباطرة الذين حكموا روما (لسوف أقابل اليوم أناسا ثرثارين وأناسا غيرهم من الأنانيين والطماعين وناكري الفضل لكنني مع كل هذا لن أكون مندهشا او مضطربا لأني لا أستطيع أن أتصور وجود هذا العالم دون أن يكون مثل هؤلاء الناس جزءا منه))
فمن حولك فيهم جزما الصالح والطالح فيهم الطيب والشرير وفيهم العفيف الكريم وفيهم الحقود الماكر لذا وطني نفسك على انك ستلقين هؤلاء ذات يوم ولا يزعجك الأمر, وطريقك الأول للعيش بسلام في هذه الحياة أن تكوني مستعدة للقبول والتسليم بمثل هذا الأمر.
ابنتي المشكلة ليست في الناس بل في الصورة الذهنية لديك لما يجب أن يكونوا عليه! فأنت لا تعيشين في المدينة الفاضلة التي يسكنها ويعمرها الملائكة! فهذه المدينة لاوجود إلا في كتب أفلاطون فقط وفي خيالات الفلاسفة.
إن نشأتك في هذه البيئة القريبة من المثالية رسخت في وعيك طغيان (الخيرية) على البشر، ومع هذا التصور تحتاجين ابنتي أن تنظري للأمور بنظرة أكثر شمولية وواقعية وأن تسبري غور الأمور وأن تضعي الأشياء في موطنها الصحيح
* إن ثنائية الخير والشر مركبة في البشر وجزء من طبيعتهم وعلى هذا أولت الشريعة هذه المساحة والاهتمام الكبير للتوبة وماكان هذا إلا أن الإنسان لاينفك عن الخطأ(كل ابن آدم خطاء.. وخير الخطائين التوابون). وهكذا يتبين لنا حكمته سبحانه وتعالى في غرس تلك الثنائية في البشر، فلو أن البشر هدوا للخير فقط لكانوا كالملائكة قد سيروا للخير فقط، ولو كان العكس لاستحال البشر شياطين وعفاريت ومردة ولكن الله عز وجل ألهمنا الطريقين وترك لنا حرية الاختيار لكي يمتحننا. يقول المولى في هذا {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}ويقول سبحانه {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}.
لذا ما أنصحك به ابنتي أن تدركي حقيقة البشر وما خلقهم الله عليه, وأنت وأهلك ومن ترينه من خيرة الناس من هؤلاء البشر وجميعكم لاشك معرضون للخطأ ويقينا في ذات يوم قد زلت بكم الأقدام وهذا لا يعني هذا الانسلاخ من بشريتكم!
وأنت على العموم لست مطالبة بإصلاح البشرية بأسرها وعندما تواجهين أخطائهم فلا تحملين نفسك ما لا تطيق... أصلحي نفسك ابتداء ثم بثي الخير بقدر الجهد لدى الآخرين.
هناك مصطلح عند علماء النفس اسمه (الضمير المتضخم) حيث الإفراط في المثالية والتشدد البالغ في تحري الدقة والمبالغة في طلب الكمال وهذا أمر لاشك سيتعبك وسينفر الناس من حولك..
من ذا الذي ترضي سجاياه كلها.
كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
.. اسأل الله أن يسددك ويوفقك